آية مصدق
ما الذي قد يدفع كياناً يملك جيشاً وأحدث الأسلحة العسكرية، وشبكة معقدة من الاستخبارات، ودعماً دولياً، إلى خيار إعدام أسرى مكبلين داخل زنازينهم؟
ليس السؤال قانونياً، إذ أن القانون هو آخر ما يمكننا التحدث عنه داخل كيان على أرض مسروقة أقام فيها إبادة جماعية دون مساءلة. بل هو سؤال سياسي بامتياز يبحث في فهم السلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين ولماذا عادت اسرائيل إلى عقوبة الإعدام بعد هذه السنوات؟.
من الضحية إلى الجلاد:
إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي سَنَّه الكنيست الإسرائيلي في آذار/مارس الماضي، يمثل المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل عقوبة الإعدام إلى نظامها القضائي منذ عام 1962، عندما حكم على أدولف أيخمان مهندس الهولوكوست بتهمة ارتكابه جرائم إنسانية، في محاكمة أسست من خلالها إسرائيل رواية حق الشعب اليهودي في الدفاع عن نفسه.
واليوم تريد أن تعيد إلى مشهدها القضائي قانون الإعدام بحق نحو تسعة آلاف من الأسرى الذين لم يحاكموا في جرائم وفق معايير قانونية واضحة ونزيهة، وأغلب التهم تتصل بالمقاومة ضد الاحتلال نفسه.
ومن سخرية التاريخ أن تتحول إسرائيل من ضحية إبادة جماعية إلى مؤسس لها، وتشرع الإعدام بحق شعب تحتله وتنظر إليه كعدو مطلق يجب تصفيته حتى وإن كان عن طريق القانون. أما السخرية الأكبر فهي أن القانون ذاته يستثني المستوطنين الإسرائيليين، بمعنى أن قيمة الدم تحدد انطلاقاً من الهوية وليس الفعل الذي يُحَرَّم.
تفكيك القانون: عنصرية مؤسساتية
يستهدف القانون الفلسطينيين بغض النظر عن مكان تواجدهم، سواء في الضفة الغربية أو غزة، وهو ما يعني أن إسرائيل تؤسس لنظامين قانونيين على نفس الأرض: الأول لليهود لا يطبق عقوبة الإعدام، والثاني للفلسطينيين يبيحها.
كما أن حكم الإعدام لا يتطلب إجماع القضاة بل أغلبية بسيطة، وهو ما يجعل تحقيق العدالة رهيناً بهوى قاض أو اثنين.
هذا إضافة إلى منع العفو أو تخفيف العقوبة، ويقع تأجيل الحكم في مدة أقصاها 180 يوماً يقررها رئيس الوزراء، أي أنه قانون قطعي لا رجعة فيه، ويُنفَّذ الحكم خلال 90 يوماً في حال عدم التأجيل.
ولا يمكننا اعتبار هذه البنود ثغرات، بل هي عملية ردع جماعي ترتقي لمستوى الإبادة، لكن هذه المرة تحت غطاء القانون.
أما في الداخل الإسرائيلي فقد رفض البعض قانون اعدام الأسرى ليس لأسباب حقوقية أو أخلاقية، بل لأسباب سياسية. فرئيس الشاباك السابق "ناداف أرغمان" قال بأن عقوبة الإعدام لن تردع المنفذين بل ستحولهم إلى قديسين وشهداء. كما حذر اللواء "عاموس بالدين" من أن القانون قد يدفع فصائل لاختطاف جنود إسرائيليين من أجل المساومة. وبالتالي، لا تخرج المعارضة عن كونها حماية لأمن إسرائيل وليس الدفاع عن حقوق الإنسان؛ فهي معارضة إدارية لا أخلاقية.
لماذا الآن؟:
إن إسرائيل اليوم هي ليست نفسها إسرائيل الأمس. فبعد أسابيع من حرب استنزاف متعددة الجبهات، وضربات إيرانية لا تزال تستهدف عمقها، وعجز واضح عن تحقيق أهدافها، أصبح الإسرائيليون يعانون من انهيار نفسي جماعي، خاصة النخبة الحاكمة. وقانون الإعدام ليس سوى نتاج هذا الانهيار. غير أنه سيكلف إسرائيل الثمن أكثر من الفلسطينيين، لأن الدولة التي قدمت نفسها لعقود على أنها " الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تعرَّت حقيقتها أمام المجتمع الدولي، وانهارت سرديتها منذ حرب غزة. وبسنها قانون الإعدام، لا تخرج فقط من الدائرة القانونية الدولية، بل تضع نفسها خارج الإنسانية، وهي بالتالي تقطع الروابط التي تربطها كدولة طبيعية بدول العالم، وتعلن نفسها قوة استعمارية عنصرية، مما سيعمق من عزلتها وعزلة كل حليف لها.
نمط تاريخي يتكرر: المشانق في نهايات الاستعمار
لقد بات من الواضح أن إسرائيل تعيد إنتاج نمط قديم من الاستعمار يلجأ إلى البطش والانتقام قبل نهايته. فتاريخياً، قام الاستعمار البريطاني على سبيل المثال بإعدام فلاحين مصريين شنقاً في دنشواي عام 1906 من أجل استعادة هيبته التي بدأت تضعف أمام المقاومة الوطنية، إلى أن خرج المستعمر بعد سنوات قليلة. وكذلك إيطاليا التي أعدمت عمر المختار شنقاً أمام الجميع في محاولة فاشلة لكسر الروح الليبية، وكان ذلك الإعدام بداية النهاية للوجود الإيطالي في ليبيا. ولا يمكن نسيان ما ارتكبته فرنسا بحق الجزائريين لتخرج مهزومة بعد سنوات من الإعدام والتعذيب. والأمثلة كثيرة على ذلك، فكل القوى المستعمرة في العالم مرت بمراحل آخرها اشتداد البطش، وهو ليس دليل قوة بل بداية انهيار.
في النهاية، يعلمنا التاريخ أن المشانق لم تطل من عمر أي استعمار، بل كانت على العكس من ذلك بداية نهايته ودليلاً قوياً على تصدعه وخوفه. فكل حبل لُف على رقبة أي أسير أو رمز وطني لم يمنع الظفر بالاستقلال ولم يؤخره. وما يحدث اليوم في الكنيست يمكن أن نعتبره مشاهد من الفصل الأخير من قصة استعمار كُتبت سطورها الأولى من عام 1882، وها هي الآن تسير بخطى متسارعة نحو نهايتها المحتومة، شأنها شأن من قبلها.
فالاحتلال الذي يلجأ لإعدام أسرى مكبلين في الزنازين بينما هو مدجج بالسلاح لا يمكن إلا أن يكون في أضعف أيامه. وهذا القانون سيكون شاهداً على انهياره، لأن المشانق ليست سيطرة وقوة، بل هي شاهد على نهاية ليس فقط الضحية، وإنما الجلاد الذي رفعها أيضا.