الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
مقالات
الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
ا. خالد الحديدي / مصر
6 نيسان 2026 , 18:34 م

* خالد الحديدي / مصر

لم يكن الخليج يومًا مجرد مساحة جغرافية تعوم فوق بحار النفط، بل كان دائمًا عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى. فبين الوثائق التي صاغت تصورات الاستخبارات الغربية في زمن الحرب الباردة، والحروب التي تتفجر اليوم على أطراف المنطقة، يتضح أن الصراع على الخليج لم يتغير في جوهره، بل تغيّرت فقط وجوه اللاعبين وأدوات المواجهة. فهنا، عند حدود الطاقة والممرات البحرية، يتحدد جزء مهم من ميزان القوة في العالم.

منذ منتصف القرن العشرين لم يعد الخليج مجرد منطقة غنية بالنفط، بل تحوّل في العقل الاستراتيجي الأمريكي إلى مركز ثقل في النظام الدولي. فالثروة النفطية الهائلة، والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا، والتحكم في أهم طرق نقل الطاقة في العالم، جعلت من هذه المنطقة محورًا دائمًا في التفكير السياسي والعسكري لواشنطن. ومن بين الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًا في صياغة هذا التصور كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق ويليام كيسي، الذي تولى قيادة الاستخبارات في عهد الرئيس رونالد ريغان خلال مرحلة شديدة الحساسية من الحرب الباردة.

لم يكن كيسي مجرد مسؤول استخباراتي تقليدي، بل كان أحد العقول التي نظرت إلى الصراع الدولي بوصفه شبكة مترابطة من الموارد والنفوذ والتحالفات. وقد عبّر في عدد من خطاباته عن رؤية تعتبر أن الخليج ليس مجرد ملف إقليمي، بل عقدة استراتيجية في النظام العالمي. ففي أحد خطاباته في الثمانينيات أشار إلى أن حقول النفط في الشرق الأوسط تمثل شريان الحياة للاقتصاد الغربي، وأن السيطرة عليها تمنح تأثيرًا هائلًا في ميزان القوة الدولي.

هذه الرؤية لم تظهر فجأة مع كيسي، بل كانت امتدادًا لعقيدة سياسية أمريكية تشكّلت في نهاية السبعينيات عندما أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ما عُرف لاحقًا باسم عقيدة كارتر. وقد نصّت هذه العقيدة بوضوح على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج ستُعد تهديدًا مباشرًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن سترد عليها بكل الوسائل بما فيها القوة العسكرية. منذ تلك اللحظة أصبح الخليج جزءًا صريحًا من منظومة الأمن القومي الأمريكي.

ومع وصول إدارة ريغان إلى الحكم، تحولت هذه العقيدة إلى سياسة أكثر نشاطًا وفاعلية. فقد كان كيسي يرى أن الصراع مع الاتحاد السوفيتي لا يقتصر على أوروبا أو سباق التسلح النووي، بل يمتد إلى مناطق الموارد الحيوية في العالم، وعلى رأسها الشرق الأوسط والخليج. لذلك كان يؤكد أن ما يحدث في هذه المنطقة لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة الصراع العالمي بين القوى الكبرى.

وقد تجلّت هذه الرؤية عمليًا خلال الحرب التي اندلعت بين إيران والعراق عام 1980، المعروفة باسم الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988). فقد تعاملت الولايات المتحدة مع تلك الحرب بمنطق إدارة التوازنات بدل الحسم السريع؛ فدعمت العراق سياسيًا واستخباراتيًا في مراحل معينة، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات اتصال سرية مع إيران. الهدف لم يكن انتصار طرف بقدر ما كان منع ظهور قوة مهيمنة قادرة على السيطرة على الخليج.

من هنا ظهرت في الأدبيات السياسية العبارة الشهيرة المنسوبة إلى كيسي والتي تقول إن أفضل وسيلة للسيطرة على نفط الخليج هي إبقاء القوى الإقليمية في حالة صراع دائم حتى لا تتمكن أي دولة من فرض هيمنة كاملة على المنطقة. ورغم أن هذه العبارة لا توجد لها وثيقة رسمية مؤكدة، فإن مضمونها يعكس إلى حد بعيد فلسفة التوازنات التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود.

وقد قامت هذه الفلسفة على ثلاث ركائز أساسية ضمان تدفق النفط إلى الاقتصاد العالمي دون انقطاع، حماية الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبر الخليج، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على احتكار النفوذ في المنطقة. هذه المبادئ ظلت حاضرة في السياسات الدولية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.

وإذا انتقلنا من الوثائق التاريخية إلى واقع اللحظة الراهنة، سنجد أن الخليج ما زال يعيش داخل المنطق الاستراتيجي نفسه الذي تشكّل قبل عقود. فالمواجهة الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعيد إلى الواجهة السؤال القديم نفسه من يملك مفاتيح القوة في هذه المنطقة التي تختزن أهم موارد الطاقة في العالم. فالتوتر المتصاعد، والضربات العسكرية المتبادلة، والتهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، كلها تؤكد أن الصراع لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل مواجهة تتصل بجوهر المعادلة الاستراتيجية التي حكمت الخليج منذ عقود.

فالممرات البحرية، والبنية النفطية، وتوازن القوى الإقليمي، كانت دائمًا عناصر مركزية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وهي العناصر نفسها التي تعود اليوم لتحدد ملامح الصراع. وهكذا يبدو أن الرؤية التي تشكّلت في زمن الحرب الباردة لم تختفِ، بل بقيت كامنة في عمق السياسات الدولية لتعود وتظهر بوضوح مع كل أزمة كبرى تهزّ المنطقة.

في النهاية، يبدو أن الخليج سيظل أحد أكثر مفاصل العالم حساسية، ليس فقط بسبب النفط الذي يختزنه تحت رماله، بل بسبب الموقع الذي يحتله في معادلة القوة الدولية. فمن وثائق الاستخبارات التي صاغت رؤى الاستراتيجية في زمن الحرب الباردة، إلى الحروب والاشتباكات التي تهزّ المنطقة اليوم، يتكرر الدرس نفسه من يملك القدرة على التأثير في الخليج يملك مفتاحًا مهمًا في توازنات العالم. وبين الوثيقة التي تُكتب في غرف التخطيط المغلقة، والرصاصة التي تُطلق في ساحات المواجهة، يبقى الخليج مساحة يتداخل فيها التاريخ بالجغرافيا والسياسة، حيث لا تنتهي الصراعات تمامًا، بل تتحول من شكل إلى آخر، فيما يظل السؤال القديم حاضرًا من يرسم ملامح القوة في هذه المنطقة التي لا تهدأ.

* كاتب و ناقد مصري 

مواضيع ذات صلة
​السيادة المذبوحة على
عدنان علامه - 6 نيسان 2026
​السيادة المذبوحة على "قسطل مياه"؛ بين التحرير العسكري والإرتهان السياسي
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم.
أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟
 الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية
علي وطفي - 6 نيسان 2026
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم. أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟ الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية "الخنق الاقتصادي" لإجبار طهران على تقديم تنازلات , بالمقابل إيران حشدت جيشا قوامه مليون جندي و حوالي خمسة ملايين وضعوا انفسهم تحت تصرف القوات المسلحة دفاعا عن بلدهم ( ياريت تتعلم ، عبث) كما نقلت طائرات مسيرة إلى ميليشيات حليفة عراقية، استخدمتها لتدمير منظومات الدفاع الجوي على سطح السفارة الأمريكية في بغداد، بالإضافة إلى مروحية بلاك هوك ، الولايات المتحدة إسقاط عامل هام: اصبحت إيران تمتلك تقنية الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية من روسيا ، وهي تقنية لم يسبق للجيش الأمريكي مواجهتها ويصعب إسقاط هذه الطائرات نظرا لصغر حجمها ومناعتها الكاملة ضد التشويش الإلكتروني وقد استخدمتها القوات الروسية مرارا وتكرارا لتدمير دبابات M1A1 أبرامز الأمريكية ومركبات قتال المشاة M - 2 برادلي التي نُقلت القوات المسلحة الأوكرانية على أرض المعركة الأوكرانية ، و العملية البرية بمثابة صراع حياة أو موت للقوات الأمريكية إنزال 5000 جندي مشاة سيكون رعايتهم الموت كما تعد جزيرة خرج/خارك، وتحصيناتها ومنشآتها النفطية، حصنًا صخريًا منيعًا ولا يفصلها عن البر الإيراني سوى 25 كيلومترًا، ما يوفر لها دعما ناريا على مدار الساعة وسوف تتعرض القوات الأمريكية التي ستنزل في الجزيرة لوابل كثيف من المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام تقنية الألياف الضوئية الروسية، واستطاعت تدمير دبابات ومركبات مدرعة أمريكية رئيسية، فسيصبح جنود المشاة البالغ عددهم 5000 جندي محاصرين تماما على سطح الجزيرة المكشوفة ، دون أي غطاء، ليصبحوا أهدافًا سهلة وستتحول الجزيرة إلى فخ مميت لهم ، كون الخبراء الإيرانيون وظيفتهم التحكم عن بعد في هذه طائرات المزودةب الألياف الضوئية من ملاجئ تحت الأرض دون بث إشارات لاسلكية، مما يجعلها غير قابلة للكشف. يزعم ترامب أنه سينهي الحرب مع إيران في غضون اسبوعين أو ثلاثة ولا يكترث إن فتح مضيق هرمز بعد ذلك ، أو إن أبرمت إيران اتفاقاً هذا مثال كلاسيكي على التهرب من الهزيمة الساحقة و بغض النظر عن التصريحات المتناقضة ، فإن إيران إضافة إلى المكاسب المعنوية للنصرٍ ستصبح القوة المهيمنة في الخليج العربي، محتفظة بالسيطرة على مضيق هرمز واليوم نحو 400 سفينة من مختلف الأنواع اضطرت إلى تعليق عبورها مضيق هرمز، بانتظار قرار من السلطات الإيرانية بشأن السماح لها بالمرور عبر هذا الممر المائي ذي الأهمية الاستراتيجية و بعض السفن عند مدخل المضيق، وكذلك بالقرب من جزر إيرانية ولا تحاول العبور بسبب تحذيرات طهران ، يعد مضيق هرمز ممرا مائيا ضيقا يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ويكتسب أهمية استراتيجية بالغة، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ونحو 25% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية. علاوةً على ذلك، سيتم سحب القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة بشكل شبه مؤكد ، كما ستحسن طهران وضعها المالي بشكل كبير، و تعوض خسائرها العسكرية بسرعة وتعزز إيران جيشها بشكل ملحوظ، واعادة تجهيزه بأحدث الأسلحة، مسرعة في تطوير برنامجها الصاروخي المتطور أصلا، و قد تعلن بشكل قاطع أنها أصبحت قوة نووية. اما موقف طهران من تل أبيب و موقفها لن يزول و استمرار الصراع الوجودي مع إسرائيل بعد كل ما سببته إسرائيل لإيران من معاناة في عدوانها ، وايضا لا أمل في تخفيف حدة الخطاب تجاه الكيان اليهودي. للعلم منذ شهر كان في طهران قادة مستعدون للتسوية والتفاوض باستمرار أما الآن ، اصبحت دولة إقليمية عظمى ومتماسكة من الداخل مدركة لتفوقها في الحرب الدائرة ضد أقوى جيش في العالم وفي الشرق الاوسط ، اما العرب والخليج اليوم عليهم بدفع تكاليف الربح والخسارة (ملطشة) وكالعادة دائما يتواكلون ولا يتوكلون يضعون رهانهم على الحصان( مجازا) الخاسر كالعادة و يصرفون الملايين على شراء الاحصنة وبناء الاسطبلات لها. الخلاصة على ترامب الآن إما شن عملية برية أو الانسحاب سريعا وبشكل مخز، تاركا شريكه العزيز المدلل في ائتلاف إبستين “ نتنياهو” يغرق في مواجهة الأسد الصاعد الجديد في الشرق الأوسط.
التستّر على الخسائر… حرب الأرقام والحقائق في مواجهة العدوان الأمريكي–الصهيوني
د. هناء سعادة - 4 نيسان 2026
التستّر على الخسائر… حرب الأرقام والحقائق في مواجهة العدوان الأمريكي–الصهيوني