تهديد بمحو حضارة: سقوطٌ مدوٍّ إلى منطق الإبادة الشاملة ..؟
مقالات
تهديد بمحو حضارة: سقوطٌ مدوٍّ إلى منطق الإبادة الشاملة ..؟
عباس المعلم
7 نيسان 2026 , 22:13 م

قبل أشهر، خرج دونالد ترامب ليُسوّق أيّ اعتداء محتمل على إيران بعباءة «إنسانية»، مدّعيًا أنّ الهدف إنقاذ مئات المحكومين بالإعدام. لم يكن ذلك سوى الغطاء التقليدي الذي اعتادته الإمبراطوريات: خطاب أخلاقي يُخفي نزعة الهيمنة.

اليوم، يسقط القناع بالكامل. الرجل نفسه يعلنها بلا مواربة: «محو الحضارة الإيرانية»، تدمير شامل لكلّ ما يجعل الحياة ممكنة الكهرباء، المياه، الجسور، الطرقات، النفط وإعادة بلدٍ ضاربٍ في عمق التاريخ إلى «العصر الحجري». هذا ليس خطاب ردع، بل بيان إبادة صريح، لا يختلف في جوهره عن أكثر الصيغ توحّشًا التي عرفها التاريخ.

هذا المستوى من اللغة يعيدنا مباشرة إلى أدبيات الطغيان المطلق. هكذا تحدّث أدولف هتلر قبل أن تتحوّل كلماته إلى أفران ومقابر جماعية. وهكذا مارس جنكيز خان سياسة الإفناء الكامل للمدن، حيث لا يُترك حجر على حجر. المنطق واحد: إذا لم تخضع، تُمحى.

وليس التاريخ البعيد وحده شاهدًا. في العصر الحديث، تحوّلت عقيدة «الأرض المحروقة» إلى أداة منهجية، من حروب البلقان إلى غزو العراق، حيث استُهدفت البنى التحتية عمداً، فدُفعت المجتمعات إلى الانهيار الشامل. إنها ليست أضرارًا جانبية، بل استراتيجية مقصودة لكسر الشعوب عبر تجويعها وتعطيشها وشلّ قدرتها على البقاء.

ضمن هذا المشهد، يتبدّل موقع إيران في الوعي العالمي. حين يُرفع التهديد إلى مستوى محو حضارة بأكملها، فإنّ أيّ مواجهة تتحوّل في نظر كثيرين من صراع سياسي إلى مواجهة مع طغيان عارٍ. وعند هذه النقطة، لا تعود المسألة من يحكم، بل هل يُسمح لمنطق الإبادة أن يصبح سياسة معلنة في القرن الحادي والعشرين.

إنّ أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط ما يعد به من دمار، بل ما يكشفه من سقوط أخلاقي مدوٍّ: حين يُشرعن تدمير الشعوب، تصبح الإنسانية كلّها على حافة الهاوية. هنا، لا مجال للمواربة إمّا كبح هذا الانحدار، أو إعادة كتابة التاريخ بمداد الدم نفسه الذي ظنّ العالم أنه طواه.

عباس المعلم - كاتب سياسي