من هدير الحرب إلى طاولة إسلام آباد كيف فرضت إيران شروطها؟

‏
مقالات
من هدير الحرب إلى طاولة إسلام آباد كيف فرضت إيران شروطها؟ ‏
وائل المولى
8 نيسان 2026 , 07:56 ص

‏بين ليلةٍ أوحى فيها الرئيس الأمريكي بأن إيران تقف على حافة ضربةٍ مدمّرة قد “تنهي حضارة بأكملها”، وبين واقعٍ انتهى بإعلان وقف إطلاق النار وفتح باب التفاوض، تكشّف التحول الأكثر دراماتيكية في مسار هذه الحرب. ما بدا كتمهيدٍ لحسمٍ عسكري شامل، انقلب سريعا إلى اعترافٍ بحدود القوة، وإلى انخراط في مسار تفاوضي قائم على مقترح إيراني، لا على إملاءات أمريكية.

‏فبعد أربعين يوما من المواجهة المفتوحة، خرجت طهران برواية نصر واضحة إجبار واشنطن على القبول بمقترح إيراني من عشر نقاط، يتجاوز فكرة “وقف القتال” إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. هذه النقاط، كما تم تسريبها، لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى ملفات حساسة، من بينها الاعتراف الضمني بحق إيران في التخصيب النووي، ورفع العقوبات بشكل كامل، وصولا إلى انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ودفع تعويضات، وإنهاء الحرب على حلفاء طهران، وفي مقدمتهم المقاومة في لبنان والعراق واليمن.

‏غير أن قراءة هذا التحول لا تكتمل دون التوقف عند الخطاب الأمريكي نفسه، الذي شهد تناقضا حادا خلال ذروة التصعيد. فقد أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات بالغة الحدّة، تحدث فيها عن “نهاية حضارة كاملة” في إيران، وعن “تغيير جذري وشامل للنظام”، واعتبر أن ما يحدث قد يكون “إحدى أهم لحظات التاريخ”. هذا السقف العالي من التهديد، الذي اقترب من خطاب كسر الإرادة، سرعان ما تراجع لصالح مقاربة تفاوضية، أعلن فيها ترامب قبوله بوقف القصف، واعتبار المقترح الإيراني أساسا لاتفاق محتمل.

‏هذا التباين بين خطاب “الحسم الشامل” وخيار “التسوية” لا يعكس فقط تغيرا في النبرة، بل يكشف حدود القوة العسكرية حين تصطدم بواقع ميداني معقد. فإعلان تحقيق الأهداف لا يوازي بالضرورة القدرة على فرض شروط نهائية، خصوصا عندما يتحول الخصم إلى لاعب قادر على إدارة التصعيد واحتوائه في آنٍ معا.

‏أحد أبرز عناصر هذا التحول يتمثل في مضيق هرمز، الذي عاد إلى الواجهة كأداة ضغط جيوسياسي بيد طهران. فالاتفاق الأولي ينص على تنظيم المرور عبره بالتنسيق مع القوات الإيرانية، ما يمنح إيران اعترافا عمليا بدورها كضامن لأمن أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وليس من المستغرب أن ينعكس ذلك فورا على الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط بشكل حاد عقب إعلان التهدئة.

‏أما إقليميا، فإن شمول وقف إطلاق النار لجبهات متعددة، بما فيها لبنان، يشير إلى أن الحرب لم تكن محصورة بين دولتين، بل كانت اختبارا لشبكة تحالفات كاملة. وفي هذا السياق، فإن إدراج “إنهاء الحرب على محور المقاومة” ضمن الشروط الإيرانية يعبّر عن محاولة تثبيت معادلة ردع جديدة، تتجاوز الجغرافيا الإيرانية إلى عمق الإقليم.

‏اللافت أيضا هو الدور الباكستاني، حيث ستُعقد المفاوضات في إسلام آباد، في أول لقاء مباشر بين الطرفين منذ اندلاع الحرب. اختيار هذا المسار يعكس بحثا عن وسيط “محايد نسبيا”، في ظل انعدام الثقة المعلن من الجانب الإيراني، الذي شدد على أن المفاوضات ليست نهاية الحرب، بل امتداد لها بوسائل سياسية.

‏لكن، ورغم هذا المشهد الذي يبدو أقرب إلى “نصر إيراني”، تبقى الأسئلة مفتوحة. فواشنطن، التي انتقلت من التهديد بتغيير النظام إلى الحديث عن “سلام طويل الأمد”، ربطت وقف إطلاق النار بشروط تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، فيما عبّرت مصادر إسرائيلية عن قلقها من “تركها وحيدة”، ما يوحي بإمكانية وجود تباينات داخل المعسكر الأمريكي نفسه.

‏بين رواية “الانتصار التاريخي” الإيرانية، وخطاب “تحقيق الأهداف” الأمريكي، تتشكل حقيقة أكثر تعقيدًا: حرب لم تُحسم بالكامل، لكنها أعادت رسم خطوط القوة. فإيران، التي صمدت ميدانيا، تسعى اليوم إلى ترجمة هذا الصمود إلى مكاسب سياسية دائمة، بينما تحاول الولايات المتحدة احتواء النتائج ضمن إطار تفاوضي يمنع تحولها إلى هزيمة استراتيجية.

‏في النهاية، لا يبدو أن الأسبوعين المقبلين سيكونان مجرد مهلة تقنية لإنهاء اتفاق، بل مرحلة مفصلية لتحديد شكل الشرق الأوسط القادم: هل نحن أمام تثبيت توازن ردع جديد تقوده طهران، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من الصراع؟

المصدر: موقع اضاءات الإخباري