لماذا كلُّ هذا الاستغراب، ولمَ هذا الضجيجُ إزاء ما يُوصَفُ باندفاعة كلٍّ من جوزيف عون ونواف سلام نحو التفاوض، بل والتطبيع مع إسرائيل؟
إنّ سيرة جوزيف عون، منذ نشأته الأولى، مشدودةٌ إلى خلفيّةٍ كتائبيّةٍ يمينيّةٍ لم تُفارقه عند التحاقه بالمؤسّسة العسكريّة، ولا تبدّلت مع ارتقائه في سلّمها حتى بلوغه سدّة القيادة.
وقد رأت فيه الإداراتُ الأمريكيّةُ المتعاقبةُ النموذجَ الأمثل لقائد الجيش اللبناني، إذ لمست منذ اللقاءات الأولى التي أعقبت تسلّمه القيادة موقفًا حادًّا وصريحًا مناهضًا لكلّ ما يتّصل بالمقاومة.
وخلال ثماني سنواتٍ من قيادته، لم يُؤثَر عنه في خطابٍ أو تصريح أن استخدم مفردة «المقاومة»، بل مال عمدًا إلى استبدالها بتعابير مُوارِبة؛ فغدت «إسرائيل» في خطابه «احتلالًا»، وصار «العدوان» «اعتداءاتٍ وخروقات»، على الرغم من التزامه، بحكم موقعه، بما تقرّره السلطة السياسيّة التي كانت تُعرّف إسرائيل عدوًّا، وتُشرعن المقاومة في بياناتها الوزاريّة.
ولم يقف هذا المنحى عند حدود اللغة، بل تجاوزه إلى الرمزيّات الوطنيّة؛ إذ عُدّل في سياقٍ لافت توصيفُ مناسبة الخامس والعشرين من أيّار، فحُذفت عبارة «المقاومة» ليُكتفى بـ«عيد التحرير»، بكل خطاباته خلافًا للصيغة الرسميّة «عيد المقاومة والتحرير».
ويُتداول كذلك أنّ عون، ابن بلدة العيشيّة الجنوبيّة، يحمل امتعاضًا متجذّرًا من المقاومة، على خلفيّة أحداثٍ شهدتها ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، وأسفرت عن سقوط عددٍ من أبناء بلدته، ممّن ارتبط بعضهم بوشائج قرابةٍ معه، ممن كانوا عناصر وضباط في جيش سعد حداد ولحد لاحقا
وعلى صعيدٍ آخر، كان شرط وممر وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة لم يخلُ من تأثيرٍ خارجيٍّ مباشر، وأنّ تكليفه اقترن وفق هذا التصوّر بمهمّةٍ محوريّة: العمل على نزع سلاح المقاومة، والسير نحو تطبيعٍ كاملٍ مع إسرائيل، بصرف النظر عن تطوّرات الميدان، حربًا كانت أم سلمًا. ويُشار أيضًا إلى أنّ فريقه الاستشاري يضمّ شخصيّاتٍ تتقاطع مع هذا التوجّه، بل إنّ بعضهم يُوصَف بنفوذٍ وازنٍ يكاد يوازي نفوذ «رئيسٍ في الظل» وكان هذا المستشار على صلة وتواصل مباشر مع إسرائيل إبان الحرب الاهلية اللبنانية ولم يخجل يوما بتلك الحقبة حيث كان يشغل حينها عضو المجلس الحربي للقوات اللبنانية التي كانت على حلف معلن مع اسرائيل وتتلقى دعم مالي وعسكري مباشر منها ..
أمّا نواف سلام، فتبدو مواقفه في هذا السياق أكثر وضوحًا في نظر منتقديه؛ إذ يُنسب إليه تأييدٌ سابقٌ لخياراتٍ تطبيعيّة منذ مرحلة اتفاق السابع عشر من أيّار 1983، كما يعرف إنّه، منذ طرح اسمه لرئاسة الحكومة عام 2019، وضع في صدارة أولويّاته إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، والسير نحو تطبيعٍ كاملٍ مع إسرائيل. وتذهب بعض المعطيات إلى حدّ القول إنّه أبدى استعدادًا لاتّخاذ خطواتٍ حاسمةٍ في هذا الاتجاه بزج الجيش لنزع سلاح المقاومة بالقوة، ولو اقتضى الأمر أثمانًا باهظةً وتداعياتٍ جسيمة، بل وحتى المغامرة بمستقبله السياسيّ في سبيل تحقيق ذلك ضمن عهده الحكومي.
عباس المعلم - كاتب سياسي