تتناول هذه الحلقة من سلسلة "رواد الإنسانية" اثنين من أبرز الشخصيات التي أثرت بشكل عميق في الحضارة الأوروبية: الفنان والعالم الشامل ليوناردو دا فينشي، ومخترع الطباعة يوهان غوتنبرغ. ورغم إنجازاتهما العظيمة، عاش كلاهما حياة مليئة بالتحديات والظلم.
ليوناردو دا فينشي: عبقرية متعددة المجالات
ليوناردو دا فينشي ( مصدر الصورة: Unsplash )
نشأته وبداياته
وُلد ليوناردو دا فينشي (1452–1519) في إيطاليا، وكان ابنا غير شرعي لكاتب عدل. اعترف به والده وربّاه في منزله، إلا أن تفاصيل طفولته قليلة. واجه صعوبة في تعلم اللغة اللاتينية، رغم أنها كانت أساسية للمعرفة في عصره.
في سن الخامسة عشرة، التحق بورشة الفنان أندريا ديل فيروكيو، وانضم لاحقا إلى نقابة الفنانين، حيث عُرف بموهبته الكبيرة رغم بطئه في إنجاز الأعمال وعدم إتمام بعضها.
حياته المهنية وتنقله بين المدن
لم يُدعَ دا فينشي للعمل في الفاتيكان ضمن نخبة فناني توسكانا، فانتقل إلى ميلانو تحت رعاية لودوفيكو سفورزا، حيث حقق شهرة واسعة. هناك رسم لوحته الشهيرة "العشاء الأخير" ولوحة "سيدة مع قاقم".
بعد سقوط ميلانو بيد الفرنسيين، تنقل بين عدة مدن منها البندقية وفلورنسا، وقضى فترة في روما تحت رعاية عائلة ميديشي.
إنجازاته العلمية والهندسية
تميّز دا فينشي بإسهاماته في مجالات متعددة، خاصة في الميكانيكا التي وصفها بأنها "جنة العلوم الرياضية". من بين أفكاره المتقدمة لعصره: تصميمات لغواصة، ودبابة، ومظلة، وسيارة تعمل بنابض، وأنظمة ري، وسلالم تلسكوبية.
لوحة الموناليزا وقصة سرقتها
تُعد لوحة "الموناليزا" أو "الجوكندا" أشهر أعماله، ويُعتقد أنها تجسد ليزا غيرارديني. اكتسبت شهرة عالمية بعد سرقتها من متحف اللوفر عام 1911، حيث أثارت ضجة كبيرة، وتم استرجاعها بعد عامين.
سنواته الأخيرة وإرثه
أمضى دا فينشي سنواته الأخيرة في فرنسا بدعوة من الملك فرانسوا الأول، حيث أكمل بعض أعماله. بعد وفاته، انتقلت مخطوطاته إلى تلميذه الذي احتفظ بها دون دراستها، قبل أن تُكتشف لاحقا وتُحفظ في مكتبة ميلانو.
يوهان غوتنبرغ: مخترع الطباعة الحديثة
يوهان غوتنبرغ ( مصدر الصورة: Unsplash )
حياته المبكرة
وُلد يوهان غوتنبرغ (1394/1399–1468) في مدينة ماينتس الألمانية لعائلة مرموقة. غيّر اسمه العائلي لاحقا، وتعلم مهنة صياغة الذهب، لكن تفاصيل حياته المبكرة قليلة.
اختراع المطبعة
أسس غوتنبرغ مشروعا في ستراسبورغ، ظاهريًا لصناعة مرايا الحجاج، لكنه في الحقيقة كان يجري تجارب سرية على الطباعة. تمثلت ابتكاراته في استخدام حروف معدنية متحركة يمكن إعادة استخدامها، ما أحدث ثورة في نشر المعرفة.
إنجازاته التقنية
طوّر غوتنبرغ حروف الطباعة باستخدام خليط معدني خاص، وابتكر آلة طباعة تعتمد على الضغط، مما سمح بإنتاج نسخ متعددة من النصوص بسرعة وكفاءة.
إنجاز "إنجيل غوتنبرغ" والنزاع القضائي
احتاج مشروعه إلى تمويل كبير، فاقترض من تاجر يُدعى فوست. لكن الأخير رفع دعوى قضائية واستولى على المطبعة، وأكمل تلميذ غوتنبرغ العمل على "الإنجيل ذو 42 سطرا" عام 1455، والذي يُعد أول كتاب مطبوع كبير في أوروبا.
تأثير الطباعة ونهاية حياته
بحلول عام 1470، انتشرت الطباعة في عدة دول أوروبية. ورغم الصعوبات التي واجهها، حصل غوتنبرغ في نهاية حياته على منصب رسمي ودخل مستقر. أما شريكه السابق فوست، فقد انتهى به المطاف في السجن في باريس بعد اتهامه من قبل رجال دين.
يُظهر تاريخ ليوناردو دا فينشي ويوهان غوتنبرغ كيف يمكن للعبقرية أن تغيّر مجرى الحضارة، رغم ما قد يواجهه أصحابها من ظلم وتحديات. فقد ترك كلاهما إرثا لا يزال يؤثر في العالم حتى اليوم.