سؤالٌ يتردّد كثيراً، وتُطرح في جوابه مقارباتٌ تبدو، للوهلة الأولى، منطقيةً بلغة الأرقام وموازين القوى. غير أنّها، في عمقها، تعكس قصوراً فادحاً في الفهم، واختزالاً مخلّاً للصراع في حسابات آنية باردة، تُغفل جوهر المشروع القائم وخطورته الوجودية.
تقول هذه المقاربات: الفارق العسكري هائل لمصلحة العدو، الاحتلال يتمدّد، القتل لا يتوقّف، والتدمير يطال مدناً وبلداتٍ بأكملها… فلماذا القتال؟ وعلى ماذا؟ ومن أجل ماذا؟
لكن هذا السؤال، بصيغته تلك، يتجاهل الحقيقة الأوضح: الصراع ليس معركةً ظرفية، بل مواجهةٌ مع مشروعٍ ممتد، تتجاوز أهدافه حدود العدوان القائم، لتطال هوية الأرض ومصيرها.
الأسباب، في جوهرها، جليّة لمن أراد أن يرى: تبدأ من الأطماع الإسرائيلية التاريخية التي تنظر إلى ما وراء الحدود، وتتعامل مع كامل منطقة جنوب الليطاني كامتدادٍ حيوي لها، ولا تنتهي عند حدود العملية العسكرية الراهنة، بل تتصل برؤيةٍ استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا والسيادة.
ما تريده إسرائيل اليوم من لبنان وتحديداً عبر سلطةٍ عاجزة أو متواطئة ليس مجرد تهدئة أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل مشروع متكامل يقوم على:
تثبيت احتلالٍ شامل على طول الحدود بعمق يتراوح بين 10 و15 كلم، مع شطب أي حضور فعلي للدولة اللبنانية، إدارياً وعسكرياً، وإخراج قوات الطوارئ الدولية، وإفراغ المنطقة من سكانها.
تحويل ما تبقّى من جنوب الليطاني إلى ما يُسمّى “الخط الأصفر”، منطقة رخوة تُستباح عند الحاجة، لتفكيك ما يُسمّى البنية العسكرية عبر التدمير المنهجي وتجريف كل مقومات الحياة.
بالتوازي، إطلاق مسار داخلي لتفكيك بنية الحزب العسكرية شمال الليطاني، وصولاً إلى بيروت وجبل لبنان، كمرحلة أولى، بإشراف مباشر وغير مباشر، يتوّج بدخول ضباط ارتباط إسرائيليين وأمريكيين تحت غطاء الدولة، للتحقّق من التنفيذ.
على أن تستكمل الدولة اللبنانية، في مرحلة ثانية، عملية التفكيك داخل الضاحية والبقاع، بنفس الآليات والإجراءات، وتحت العناوين ذاتها، مقابل انسحابات إسرائيلية جزئية ومدروسة من أجزاء من “الخط الأصفر”، لا تمسّ جوهر السيطرة ولا تُنهي واقع الاحتلال المقنّع.
استبقاء “المنطقة العازلة” كأداة ضغط دائمة، تمهيداً للانتقال إلى تفكيك شامل للبنية الدينية والاجتماعية والمالية والتعليمية، وإقصاء كل من يمتّ بصلة إلى هذا الخط من مؤسسات الدولة، وصولاً إلى قرار رسمي بحل الحزب بكل أشكاله ومسمياته.
وأخيراً، فرض اتفاق “سلام” يُعيد صياغة لبنان سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بشروط إسرائيلية صرفة، تتضمن قيوداً حتى على تركيبة وانتشار الجيش اللبناني، وهوية عناصره، وحق السكان بالعودة إلى قراهم.
هذا ليس تحليلاً افتراضياً، بل توصيف لمسارٍ متكامل، لم تستطع السلطة القائمة مواجهته، ولا حتى إعلان رفضٍ صريح له، بل إنّ في سلوكها ما يشي بقبولٍ ضمني أو عجزٍ مريب.
هنا تحديداً، يصبح السؤال معكوساً:
كيف لا يُقاتل حزب الله؟ وكيف يمكن لأي قوةٍ تعتبر نفسها معنية بالدفاع عن الأرض والناس أن تقف متفرّجة أمام مشروعٍ بهذا الحجم؟
إن القتال، في هذا السياق، ليس خياراً تكتيكياً، بل ضرورة وجودية لقطع الطريق على مخططٍ يستهدف اقتلاع المعادلة برمّتها: أرضاً، شعباً، وسيادةً. هو فعلُ منعٍ قبل أن يكون فعلَ رد، ومعركة إحباطٍ قبل أن تكون معركة توازن.
ما يُرسم للبنان ليس تفصيلاً عابراً يمكن احتواؤه بالتسويات، بل مشروع اقتلاعٍ كامل، يُنفَّذ على مراحل محسوبة وبأدوات متعددة. وأي تراجع، أو تهاون، أو وهم بإمكانية التكيّف معه، لن يقود إلا إلى تسليمٍ تدريجي بكل شيء.
الثابت الوحيد القادر على كسر هذا المسار هو بقاء المقاومة صلبةً، حاضرةً، وغير قابلة للكسر أو الاحتواء. فحين تسقط إرادة المواجهة، لا يعود هناك ما يُدافع عنه… وحينها، لن يكون هناك وطن يُختلف عليه أصلاً.
عباس المعلم - كاتب سياسي