بقلم: موسى عبّاس
في عمق التاريخ اللبناني، ثمّة خيوط لا تنقطع، تربط بين أرستقراطية "البزنس" السياسي القديم، وبين تكنوقراط "القانون الدولي" الحديث.
ليس من قبيل الصدفة أن يبرز اسم نوّاف سلام اليوم كمرشح "الخلاص" الغربي، فالمسألة ليست مجرد سيرة ذاتية لرجل قانون، بل هي امتداد لـ "جينات سياسية" بدأت فصولها من "حيفا"، حيث لا تزال "عمارة سليم بيك" (جدّه سليم علي سلام) تقف شاهدة على زمن كانت فيه الشراكة مع المهندسين الصهاينة التي
صمّمها بالفعل المهندسان بنيامين أورييل ويحسكيل زوهر، وهما من المهندسين الذين ساهموا في بناء نمط "الباوهاوس" والعمارة الدولية في المدن الفلسطينية الساحلية خلال الثلاثينيات.
والاستثمار في شركات الإسمنت الصهيونية كـ "نيشر" Nesher تُعتبر "شطارة" تجارية، بينما كان الشعب الفلسطيني يخوض بدمه ثورته الكبرى عام 1939.
وراثة الفكر.. من العقارات إلى السيادة
إننا لا نحاكم الرجل بجريرة جده، بل نحاكمه بـ "الوراثة الفكرية" التي يحملها. فالحفيد الذي صعد في أروقة المحافل الدولية، يبدو وكأنه أتى ليكمل بناء "العمارة" التي بدأها الجد؛ لكنها هذه المرة ليست عمارة من حجر في وادي النسناس، بل "عمارة سياسية" في بيروت، أساساتها القرارات الدولية المسمومة، وجدرانها تجريد المقاومة من سلاحها، وسقفها التطبيع المقنّع تحت مسميات "الواقعية والقانون".
إن طموح نوّاف سلام في إلغاء حالة العداء مع الكيان الصهيوني ليس "اجتهاداً قانونياً"، بل هو فعل استسلام واعٍ. هو يريد تحويل لبنان إلى مجرد "مساحة عقارية" هادئة تخدم المشاريع الإقليمية الكبرى، تماماً كما كانت استثمارات الجد جزءاً من بنية المشروع الصهيوني الناشئ في فلسطين.
خديعة "الشرعية الدولية" وحبر القرارات
يُطل علينا دعاة "الخنوع" ليبشرونا بأن الحل يكمن في تطبيق القرارات الدولية. وعن أي قرارات يتحدثون؟ هل عن القرار 194 الذي يغط في نوم عميق منذ عقود؟ أم عن القرار 425 الذي لم يخرج الصهاينة من أرضنا إلا بضربات المقاومة وتحت جنح الظلام؟
إن التاريخ، من نكبة فلسطين وصولاً إلى عدوان تموز ونيسان، أثبت أن هذه القرارات ليست سوى "حبر على ورق"، تُستخدم فقط لتقييد يد الضحية وحماية الجلاد. الاعتماد على الأمريكي "الوسيط" ليس إلا مراهنة على الذئب لحماية الغنم، والارتماء في أحضان السياسات التي تمليها بعض العواصم التي اتخذت من الصهاينة "أمثولة" هو انتحار سياسي وأخلاقي.
المقاومة: الخيار الوحيد والنهائي
بين فكر الاستسلام الذي يمثله "ورثة الأعيان" وبين فكر المقاومة الذي يمثله "أبناء الأرض"، لا توجد منطقة وسطى. الأرض لا تُحرر بالبدلات الأنيقة في قاعات جنيف ولاهاي، ولا بالاستجداء على أبواب السفارات.
• الأرض تُحرر بالبندقية التي لا تعرف المساومة.
• السيادة تُنتزع بالدم الذي يهزم السيف، وليس بالاتفاقيات التي تُكتب تحت ضغط الانهيار الاقتصادي المفتعل.
إن محاولات "هندسة" وصول شخصيات ذات خلفيات مشبوهة أو مرتبطة بأدوار خفية كـ "أبو عمر" وغيره، تهدف إلى تحقيق ما عجزت عنه الطائرات والمدافع: إخضاع الإرادة اللبنانية..
في المُحَصِلَة:
على الواهمين أن يدركوا:
إن زمن "عمارة سليم بيك" وشراكاتها قد ولّى إلى غير رجعة. لبنان اليوم ليس "ضيعة" لأحد، ولا "شركة مساهمة" تُعرض أسهمها في البورصة الصهيونية. إنها معركة وجود؛
فإما وطن عزيز بمقاومته، أو عقار مستباح بسياسات الانبطاح. والمقاومة كانت، وستبقى، هي الحل الوحيد، والرد النهائي على كل "حفيد" يطمح لبيع ما تبقى من كرامة هذا الوطن.