لم يعد الصحفي في الحروب الحديثة مجرد شاهدٍ على الحرب، بل أصبح في كثير من الأحيان هدفا مباشرا لها. وإذا كان تاريخ الحروب مليئًا بضحايا من الإعلاميين، فإن ما يجري في الحروب الحديثة، وخصوصا في غزة ولبنان، يمثل تحوّلا خطيرا في طبيعة التعامل مع الصحافة، حيث لم تعد الكاميرا وسيلة نقل فقط، بل أصبحت سلاحا في حرب الرواية.
خلال الحرب العالمية الثانية، وهي واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ، ارتقى حوالي 69 صحفيا فقط وفق الأرقام الموثقة. ورغم أن الحرب شملت قارات كاملة وملايين القتلى، إلا أن الصحفي لم يكن هدفا مباشرا في معظم الأحيان، بل كان يرتقي غالبا أثناء مرافقة الجيوش أو نتيجة القصف أو الحوادث. أما في الحروب الحديثة، فقد تغيّر المشهد بالكامل. فخلال السنوات الأخيرة، وخصوصا منذ حرب غزة عام 2023، ارتقى أكثر من 200 صحفي بنيران الجيش الإسرائيلي وفق تقديرات منظمات دولية، ومعظمهم من الصحفيين الفلسطينيين، إضافة إلى صحفيين من لبنان خلال الحرب السابقة والجارية حيث يواجه الصحفيون مخاطر كبيرة أثناء التغطية الميدانية.
وفي هذا الإطار، يصبح استهداف الصحفي جزءا من الصراع على الرواية، وتوثيق الإنتهاكات لأن الكاميرا التي تنقل صورة الدمار، والميكروفون الذي ينقل صوت الضحايا، والتقرير الذي يفضح ما يجري، كلها تتحول إلى أدوات خطيرة في نظر من يخوض الحرب.
إن استهداف الصحفيين يعكس إلى حد كبير مدى الألم الإسرائيلي في حرب الرواية، لأن الخسارة في الصورة قد تكون أحيانا أخطر من الخسارة في الميدان. صورة واحدة قد تغيّر الرأي العام العالمي، وقد تعزل دولة، وقد تفتح تحقيقات دولية، وقد تحوّل النصر العسكري إلى هزيمة سياسية. لذلك يصبح إسكات الكاميرا جزءا من المعركة، ويصبح الصحفي في بعض الحروب هدفا لأنه يرى وينقل ويشهد.
إن ارتقاء الصحفي لا يعني فقط رحيل إنسان، بل يعني غياب شاهد، وغياب رواية، وغياب حقيقة. وعندما يرتقي الصحفي، قد تُدفن معه صورة لم تُنشر، وقصة لم تحكى ، وشهادة كان يمكن أن تغيّر فهم العالم لما يجري.
في زمن الحروب، قد يموت الناس مرتين عندما تُقصف أجسادهم، وعندما لا يجد من يروي قصتهم.
ويبقى السؤال المهم متى سيتحرك المجتمع الدولي لمنع اسرائيل وغيرها من ارتكاب هذه الجرائم بحق الصحفيين ؟؟