بقلم: موسى عبّاس
لم تعد الخيانة في شرقنا "وجهة نظر" أو خطأً تكتيكياً، بل تحولت إلى "رقم" يُتداول في البورصات السياسية العالمية. لقد انتقلنا من زمن "التواطؤ المستتر" خلف الأبواب المغلقة إلى زمن "الفجور الاستراتيجي" تحت الأضواء. وفي قلب هذا المشهد القاتم، تبرز الأرملة العقائدية ميريام أديلسون، لا بصفتها متبرعة سياسية فحسب، بل كـ "عرّابة" لمرحلة شراء الجغرافيا وتصفية التاريخ بملياراتها التي لا تعرف الرحمة.
إن الجريمة الكبرى التي نعيش فصولها اليوم ليست في "الأديلسونية" كعقيدة صهيونية صلبة تشتري الولاءات في البيت الأبيض لتثبيت "يهودية الدولة" وشرعنة الاستيطان؛ فهذا عدوٌ يمارس عداءه بوضوح. بل إن الفاجعة تكمن في ذلك "التكافل العضوي" الذي يظهره "الوكلاء العرب"؛ أولئك المتصهينون الذين وجدوا في تحالفهم مع أديلسون وأمثالها ضالتهم المنشودة للقضاء على "العقبة الوجودية" التي تؤرق مضاجعهم.
لقد تجاوز دور هؤلاء الوكلاء مجرّد التمويل، ليصل إلى حد الشراكة الكاملة في الحروب الممنهجة ضد لبنان وإيران واليمن. بالنسبة لـ "عرب الارتهان"، لم يعد محور المقاومة مجرد خصم سياسي، بل هو "حجر العثرة" الأكبر أمام قطار الاستسلام الذي يقودونه. إنهم يرون في صمود جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبيّة ، وثبات طهران، وبسالة صنعاء، "إهانات يومية" لتبعيتهم، وعوائق هيكلية تمنعهم من إتمام صفقات بيع المنطقة في مزاد أديلسون العلني.
إننا أمام "حلف شياطين" يلتقي فيه مال أديلسون العقائدي مع أحلام الوكلاء في منطقة بلا كرامة. هؤلاء المتصهينون العرب يدركون جيداً أن بقاء بندقية واحدة مرفوعة يعني فشل "مشاريعهم الاستسلامية" التي دفعوا عربونها من كرامة شعوبهم، لذا استماتوا في التكافل مع الصهاينة لإسقاط القلاع الصامدة، ظناً منهم أن التاريخ يمكن شراؤه بشيكٍ مصدّق، أو أن دماء الأحرار يمكن غسلها بوعود "الرفاهيّة الملوَثة".
لكن ما يجهله هذا التحالف القبيح، أن المقاومة ليست "عقبة تقنية" يمكن إزالتها بمليارات أديلسون أو بمؤامرات الوكلاء؛ إنها حقيقة وجودية متجذرة في الأرض. وفي نهاية هذا المزاد، سيكتشف هؤلاء أن الذهب الذي كنزوه من "بيع القضية" ومن التآمر على استقرار المنطقة لن يكون كافياً لشراء صك غفران واحد. وسيسجل التاريخ أن "بورصة الخيانة" قد أفلست، وأن مَنْ تآمروا مع أديلسون للقضاء على المقاومة لم يحصدوا سوى اللعنة الأبدية، بينما ستبقى الأرض تنطق بلغة أصحابها الذين رفضوا مقايضة كرامتهم بفتات الموائد الدولية.