بقلم ( عباس المعلم )
ما يجري ليس عملاً أمنياً احترافياً، بل عرضٌ مكشوفٌ لعملية تضليل فجة، تُدار بعقلية مرتجلة وتُسوّق كإنجاز استباقي.
يقوم أحمد الشرع بمحاولة تذاكٍ مفضوحة على مستوى الشكل والمضمون وآليات الإخراج، عبر ما روّجه إعلامه عن إحباط خلايا مزعومة تابعة لحزب الله داخل سوريا، قيل إنها كانت على وشك تنفيذ إطلاق صاروخي باتجاه “إسرائيل”. غير أن المشهد المصوّر يكشف منذ لحظاته الأولى هشاشة البنية الدعائية؛ إذ بدا ما عُرض أقرب إلى تمثيل ركيك يفتقر لأدنى معايير العمليات الأمنية المنهجية، سواء من حيث التنسيق أو الانضباط أو حتى الإقناع البصري.
أما على مستوى المضمون، فإن الرواية برمّتها تنحدر إلى مستوى يثير السخرية السوداء. العناصر الظاهرة في الفيديو توحي، بدرجة كبيرة، بأن المعتقلين ليسوا سوى أفراد من ذات البيئة التنظيمية، فيما بدت المنصات المضبوطة أقرب إلى مصنوعات مرتجلة، جرى تجهيزها على عجل، دون أي بصمة تقنية أو عسكرية جدية يمكن أن تُقنع جهازاً استخبارياً مبتدئاً، فضلاً عن أجهزة تملك أدوات تحليل متقدمة. هذا الانكشاف لا يعكس فقط ضعف الحرفية، بل يشي بعجز بنيوي عن إنتاج سردية متماسكة في ظل ضغط الحاجة إلى إثبات “وظيفة” سياسية أمام أطراف خارجية.
في البعد الجيوسياسي، تأتي هذه المسرحية في سياق محاولة التموضع ضمن معادلة إقليمية معقدة، حيث يسعى الشرع إلى تقديم نفسه كفاعل “منضبط” أمنياً، قادر على ضبط الجغرافيا السورية بما يخدم متطلبات أمنية تتقاطع مع أولويات إقليمية ودولية. غير أن هذه المقاربة السطحية تتجاهل حقيقة أن صناع القرار، ولا سيما في تل أبيب، يتعاملون مع الوقائع لا مع الاستعراضات، وأن مثل هذا الأداء لن يبدّل في حسابات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي تمضي وفق استراتيجيات بعيدة المدى لإعادة تشكيل الجنوب السوري ضمن ما تسميه “حزاماً عازلاً”، يتجاوز بكثير قيمة هذه الادعاءات الدعائية.
وإذا كان الجولاني، أو من يدور في فلكه، أو من يدفعه إلى ارتكاب مثل هذه الترهات، يظن أن هذه الاستعراضات يمكن أن تمنحه شرعية أو تحصّن موقعه، فإن الأولى به أن يوجّه جهده نحو تثبيت حكمه المترنح، الذي تلوح في أفقه تحديات قاسية تمتد من الجنوب إلى الوسط، ومن الشرق إلى الشمال وصولاً إلى الساحل، حيث تتكاثر بؤر الضغط وتتقاطع خطوط التهديد. والأهم من ذلك، أن يدرك أن خارطة تقسيم سوريا لم تعد مجرّد احتمال نظري، بل مشروع يتسارع على نار حامية، تقوده “إسرائيل” التي يسعى إلى استرضائها، وتواكبه قوى أخرى يتوهّم أنها ستمنحه دعماً مفتوحاً أو تقاتل دفاعاً عن بقائه.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط تعدد مناطق السيطرة، بل تكريسها كوقائع دائمة عبر الزمن، بما يسمح بتحولها إلى كيانات وظيفية مرتبطة خارجياً أكثر مما هي مندمجة وطنياً. وهنا تحديداً، يصبح الأداء الدعائي الهزيل عاملاً مسرّعاً لهذا التفكك، لأنه يبدد ما تبقى من مفهوم الدولة المركزية، ويستبدله بسرديات أمنية ضيقة تُستخدم لتبرير تدخلات أعمق وإعادة هندسة المجال السوري وفق مصالح متقاطعة لا مكان فيها للسيادة الكاملة.
المشهد لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل يتبلور كخيار قيد التداول العملي ضمن خرائط نفوذ متداخلة. الجنوب مرشح للانزلاق نحو منطقة فصل أمني ممتدة تُدار بآليات ردع غير مباشرة، الشرق يُستنزف في معادلات الطاقة والموارد تحت مظلات نفوذ متعددة، الشمال يتحول إلى ساحة توازنات دقيقة، فيما الساحل يكتسب حساسية مضاعفة بوصفه عقدة تماس بين البحر والعمق الاستراتيجي. هذه التشظيات لا تتحرك بمعزل عن بعضها، بل ضمن دينامية تفكيك تدريجية تُدار على قاعدة “اللامركزية القسرية” التي تُبقي الشكل موحداً بينما تُفرغ المضمون السيادي.
الاستمرار في هذا النهج لن يُنتج شرعية ولا سيطرة، بل سيُسرّع الانكشاف والانهيار. سوريا اليوم على حافة إعادة ترسيم قاسية، ومن يظن أن بإمكانه شراء موقع في خرائط التقسيم عبر عروض مرتجلة، سيكتشف متأخراً أنه لم يكن شريكاً في رسمها، بل مجرد تفصيل عابر فيها تفصيل يُمحى فور انتهاء الحاجة إليه.
عباس المعلم - كاتب سياسي