الإدانة الانتقائية ..حين يُقاس الدم بالولاء ..؟
مقالات
الإدانة الانتقائية ..حين يُقاس الدم بالولاء ..؟
عباس المعلم
25 نيسان 2026 , 00:02 ص


لا أستسيغ، بل أزدري، هذا الإلحاح الساذج على مطالبة “الدولة” في لبنان ورئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء ، ومعهم طيف واسع من الأحزاب والمؤسسات الإعلامية والحقوقية بإدانة قتل طفل أو امرأة أو طبيب أو مسعف أو محامٍ أو إعلامي أو موظف أو أستاذ جامعي أو مواطن عادي.هذا الطلب، في جوهره، ليس سوى إنكارٍ للواقع لا مواجهةً له.

المشكلة ليست في غياب الإدانة، بل في غياب القابلية لها أصلًا.

ففي وعي شريحةٍ نافذة، لا يُرى هؤلاء الضحايا كأفراد، بل كامتدادٍ لبيئةٍ مصنّفة سلفًا خارج دائرة التعاطف، بل خارج الحق نفسه: بيئة “معادية”، أو موضوعة خارج حدود الرضا الدولي والإقليمي.

وحين يُحسم هذا التصنيف، يسقط الإنسان دفعةً واحدة ،،هنا، لا يعود القتل صادمًا، بل متوقّعًا.

ولا تعود البراءة عامل حماية، بل تفصيلًا بلا وزن.

الطفل لا يُنقذه عمره، والمرأة لا تشفع لها هشاشتها، والطبيب لا تحميه رسالته، والمسعف لا تُنجيه مهمته.

الهوية تسبق الحياة، وتبتلعها.

الأخطر أن الإشكال، لدى هؤلاء، ليس في الفعل بل في كلفته السياسية.

لا يعترضون على الاستهداف، بل على توقيته أو مردوده أو تبعاته الإعلامية.

خلافهم تقني، لا أخلاقي.

أما الضحية، فمجرّد رقمٍ في معادلة قابلة للتعديل بلا تردّد.

لذلك، فإن مطالبتهم بالإدانة ليست سوى وهمٍ مُريح ،أنت لا تطلب موقفًا أخلاقيًا، بل تطلب من بنيةٍ كاملة أن تنقلب على ذاتها وهذا لا يحدث.

لأن من لا يرى في الدم قيمة، لن ينتج إدانة، بل صياغةً أكثر أناقة لتبريره أو تجاهله.

المسألة لم تعد نقص بيانات، بل فائض تبرير ،،حين يصبح الدم خاضعًا للفرز، والإدانة مشروطة بالهوية، نكون أمام انحدارٍ لا يُقاس بالسياسة فقط، بل بانهيار المعنى نفسه،،حيث لا يُقتل الإنسان فحسب، بل تُقتل معه فكرة أن حياته تستحق أن تُدان خسارتها.

عباس المعلم - كاتب سياسي