بقلم: د. هناء سعادة
في سياق التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الإقليمي في غرب آسيا، يبرز حرس الثورة الإسلامية الإيراني بوصفه أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في إعادة صياغة توازنات القوة، ليس فقط من خلال حضوره العسكري، بل عبر دوره المركّب في بناء منظومة إقليمية متكاملة تُعرف في الأدبيات السياسية بـ“جبهة المقاومة”. لم يكن هذا التحول نتاج ظرف طارئ، بل حصيلة مسار تراكمي امتد لعقود، أعاد تعريف مفهوم القوة من منظور يتجاوز الأدوات التقليدية نحو مقاربة شاملة تمزج بين الدعم العسكري، والتنسيق السياسي، وتعزيز القدرات الذاتية للحلفاء.
لقد خرج دور الحرس من نطاقه الوطني ليؤسس لنمط جديد من الفعل الاستراتيجي، قائم على دعم حركات التحرر ومواجهة النفوذ الأمريكي–الصهيوني عبر شبكة متعددة المستويات من العلاقات والتحالفات. لم تُبنَ هذه الشبكة، التي تمتد من لبنان إلى فلسطين، على أساس التبعية، بل على قاعدة التكامل وتبادل الخبرات، بما أتاح لقوى المقاومة الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة والتأثير.
وفي قلب هذه المنظومة، تبرز “قوة القدس” بوصفها الأداة التنفيذية لهذا التصور الاستراتيجي، حيث اضطلعت بإدارة العلاقات الإقليمية وتنسيق الدعم الميداني، إلى جانب دورها في نقل المعرفة العسكرية وتطوير القدرات المحلية للحلفاء. غير أن أهمية هذه القوة لا تكمن فقط في بعدها العملياتي، بل في مساهمتها في بناء ما يمكن وصفه ببنية تحتية عابرة للحدود للمقاومة، تقوم على توحيد الرؤية وتكامل الجبهات ضمن إطار استراتيجي واحد.
وقد تجلت نتائج هذا النهج بوضوح في عدد من الساحات. ففي لبنان، أسهم الدعم الإيراني في تطوير نموذج متقدم من الحرب الغير متكافئة، مكّن المقاومة من فرض معادلات ردع جديدة، رغم الفوارق الكبيرة في الإمكانات. وفي فلسطين، ساهمت مقاربة “وحدة الساحات” في نقل الصراع من نطاقه المحلي إلى بعد إقليمي أوسع، حيث لم تعد المواجهة محصورة في جغرافيا محددة، بل أصبحت جزءاً من تفاعل متعدد الجبهات.
أما في العراق، فقد تداخل الدور الإيراني بين دعم فصائل المقاومة خلال مرحلة الاحتلال الأمريكي، والمساهمة في مواجهة تنظيم “داعش”، في تجربة أظهرت قدرة هذا النموذج على التكيف مع سياقات مختلفة، من حرب العصابات إلى الحروب النظامية وشبه النظامية.
إن المحصلة الأبرز لهذه التفاعلات هي نشوء ما يمكن تسميته بـ“الجبهة الموحدة للمقاومة”، وهي بنية غير تقليدية تجمع بين فاعلين متعددي المستويات، لكنها تتقاسم رؤية استراتيجية واحدة تقوم على مواجهة الهيمنة الأمريكية–الصهيونية وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي. وقد انعكس ذلك في العمليات المشتركة والتنسيق المتصاعد بين هذه الجبهات، حيث لم تعد المعركة تُدار بمنطق الجبهة الواحدة، بل ضمن إطار متعدد الأبعاد يتداخل فيه العسكري مع السياسي والإعلامي.
ومن منظور أوسع، يعكس هذا النموذج تحولاً في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم يعد الحسم العسكري التقليدي كافياً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، بل باتت القدرة على إدارة شبكات معقدة من الفاعلين، وتعزيز صمودهم واستقلاليتهم، عاملاً حاسماً في تحديد مآلات الصراع. وفي هذا السياق، يقدّم حرس الثورة الإسلامية نموذجاً مغايراً للأنماط التقليدية للتحالفات، يقوم على الشراكة طويلة الأمد بدل الهيمنة المباشرة.
وبذلك، يمكن القول إن الدور الذي اضطلع به الحرس خلال العقود الماضية لم يقتصر على دعم حلفاء إقليميين، بل أسهم في إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن تفوق أحادي مطلق، بل عن توازنات مركبة تتقاسم فيها القوى المختلفة القدرة على الفعل والتأثير. وهو ما يجعل من “جبهة المقاومة” أحد أبرز تعبيرات التحول نحو نظام إقليمي أكثر تعددية وتعقيداً، يتجاوز منطق الهيمنة لصالح منطق الردع المتبادل وإعادة توزيع القوة.