سوريا بين نار الطائفية وشبح الفوضى القادمة
مقالات
سوريا بين نار الطائفية وشبح الفوضى القادمة
عمر حمد
1 أيار 2026 , 11:04 ص

‏ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد تصعيد إعلامي أو توتر عابر، بل هو عملية ممنهجة لإعادة تفجير المجتمع من الداخل، عبر أخطر الأدوات على الإطلاق الطائفية. حملة التحريض التي تستهدف المكون العلوي تحديدا َ وبقية الأقليات تجاوزت حدود الخطاب إلى مستوى التعبئة العدائية المفتوحة، في لحظة إقليمية مشتعلة تُحاصر فيها سوريا من كل الجهات.

‏جنوبا، تتهيأ إسرائيل لسيناريو اجتياح قد يغيّر قواعد الاشتباك بالكامل.

‏أما شمالا ووسطا، رسّخت تركيا نفوذها وحققت مكاسب استراتيجية واضحة، فيما يتسلل حضورها نحو الساحل بحذر . بين هذا وذاك، تقف سوريا كجسد منهك، تُنهشه مشاريع الخارج وتفككه صراعات الداخل.

‏في خضم هذا المشهد، فجّر ملف مجزرة حي التضامن، بعد الإعلان المفاجئ عن توقيف أحد مرتكبيها، موجةً من التوظيف السياسي المسموم. لم يُفتح الملف من باب العدالة، بل جرى تحويله إلى أداة انتقام، تُخلط فيها الوقائع بالأكاذيب، وتُستحضر بها ذاكرة الدم بشكل انتقائي لإشعال الأحقاد. الهدف لم يكن كشف الحقيقة، بل إعادة توجيه الغضب نحو فئات محددة أطباء ومهندسين وضباط وتم خلط الحقيقة بالكذب بعد استغلال قصة التضامن ، ولكن الأوضح في الاستهداف هو الخبرات العسكرية وعلى رأسها الطيارون السوريون، الذين كانوا منذ عام 2011 هدفا مبكرا لعمليات تصفية ممنهجة.

‏لم تكن تلك الحوادث معزولة. تصفية سبعة طيارين في بدايات الحراك، ثم استهداف منظومات الدفاع الجوي والمطارات، لم يكن سوى فصل أول في مشروع طويل لتفكيك بنية الدولة العسكرية. وما يحدث اليوم يبدو كأنه استكمال بوسائل أكثر خبثا، حيث يتم تفجير الجبهة الداخلية بدلا من ضربها عسكريا.

‏الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الوقائع، بل في التوقيت والسياق. إذ لا يمكن اعتبار هذا الانفجار الطائفي صدفة. إما أننا أمام سلطة تلعب بالنار، محاولةً إلهاء جمهورها عن واقع اقتصادي صعب وإعادة شد عصبها عبر فتح جروح الماضي، أو أننا أمام مشروع خارجي يُدار ببرودة أعصاب لإغراق سوريا مجددا في الفوضى الشاملة. وفي الحالتين، النتيجة واحدة هي الانهيار.

‏التاريخ القريب يقدم درسا واضحا أن الطائفية ليست أداة تعبئة قابلة للضبط، بل قوة تدمير عمياء. من يشعلها لا يملك إطفاءها. النار التي تُوقد اليوم تحت شعارات الثأر والعدالة، ستتحول غدا إلى محرقة جماعية تلتهم الجميع دون تمييز.

‏الأخطر من ذلك أن من يتصدرون المشهد اليوم ليسوا أبرياء من ماضي الدم. خلال أربعة عشر عاما، لم تكن هذه الجماعات تعزف البيانو بل جعلت البلاد في دوامة قتل وتصفيات ومجازر، أسست لواقع من الكراهية العميقة وانعدام الثقة. هذه القوى التي قدمت نفسها كبديل، رسّخت صورتها أمام الداخل والخارج كقوى إقصائية، وهو ما يفسر تصنيفها عالميا َ ضمن لوائح الإرهاب.

‏سوريا اليوم أمام مفترق حاسم إما الانزلاق إلى جحيم اقتتال جديد أكثر عنفا ودموية، أو كسر هذا المسار الجنوني عبر إطفاء فتيل التحريض فورا. لكن المؤشرات لا تبعث على التفاؤل. فحين تتحول السلطة إلى جزء من المشكلة، يصبح الخطر وجوديا، لا سياسيا فقط.

‏ما يحدث ليس لعبة سياسية… بل عدٌّ تنازلي لانفجار كبير.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري