عندما يصبح
مقالات
عندما يصبح "الإنتقام" في جنوب الليطاني وشماله إستراتيجية عسكرية فوق القانون
عدنان علامه
3 أيار 2026 , 18:56 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

يشكّل بيان التهديد بالإخلاء الفوري، الذي أصدره المتحدث باسم جيش الإحت.لال الإس.رائي.لي، باللغة العربية لسكان عشر قرى في جنوب لبنان، تطورًا بالغ الخطورة، ليس فقط من الناحية الميدانية، بل من زاوية القانون الدولي الإنساني.

فحين يصدر أمر جماعي بالإخلاء تحت وطأة العمليات العسكرية، نكون أمام جريمة حرب مكتملة الأركان لسياسة تهجير قسري، خصوصًا عندما يقترن ذلك بسلسلة ضربات وُصفت في الإعلام العبري بـ"الإنتقامية".

فالقانون الدولي لا يحظر الإخلاء كليًا، لكنه يضع له شروطًا صارمة: أن يكون مؤقتًا، ومبررًا بضرورة عسكرية ملحَّة، وأن يضمن حماية المدنيين وتأمين عودتهم.

و لكن ما يجري، وفق المعطيات المعلنة، يتجاوز هذه الضوابط، إذ يأتي الإخلاء ضمن سياق تصعيدي واسع، وبإتجاه الشمال فقط، دون حق العودة، ويشمل عشرات الغارات اليومية وتدمير بنى تحتية بشكل منهجي، وكان آخرها تدمير دير الراهبات ومدرسة الراهبات المُخَلًّصِيات في بلدة يارون الحدودية والمتاخمة للخط الأزرق.

فهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف حماية المدنيين، أم تفريغ الأرض وفرض واقع ميداني جديد؟

والأخطر في الرواية الإس.رائي.لية هو توصيف الضربات بـ"الانتقامية".

فهذا التعبير، يحمل دلالة قانونية خطيرة، لأن الأعمال الإنتقامية ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، محظورة صراحة بموجب إتفاقيات جنيف.

فلا يمكن تبرير إستهداف مناطق واسعة بحجة الرد، خاصة عندما تكون النتائج الميدانية نزوحًا جماعيًا وتدميرًا ممتدًا.

فالإنتقام ليس مبدأً عسكريًا مشروعًا، بل إنزلاق نحو العقاب الجماعي.

وأما تكرار الحديث عن "البنى التحتية لحzب الله" كمبرر شامل، فهو إشكالية بحد ذاته. فالقانون الدولي يفرض التمييز الدقيق بين الأهداف العسكرية والمدنية، ويُلزم بتناسب القوة المستخدمة.

لكن حين يتم توسيع تعريف "البنية التحتية العسكرية" ليشمل مساحات جغرافية واسعة ومبانٍ متعددة الإستخدام، يصبح هذا التوصيف مظلة فضفاضة قد تُستخدم لتبرير إستهداف غير متناسب، بل وربما عشوائي.

إضافة إلى ذلك، فإن إصدار بيان الإخلاء باللغة العربية، يهدف بوضوح إلى تحميل السكان مسؤولية بقائهم في مناطقهم، وهو منطق يتكرر في أكثر من ساحة. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن النزوح ليس خيارًا سهلًا، بل عملية محفوفة بالمخاطر، وقد يتحول بحد ذاته إلى تهديد مباشر للحياة، خصوصًا في ظل القصف المستمر وغياب ممرات آمنة حقيقية.

ما نشهده إذًا، ليس مجرد عملية عسكرية تقليدية؛ بل نمط ممنهج ومتكرر يقوم على ثلاثية:

1- إنذار جماعي

2- قصف مكثف

3- توصيف إعلامي يبرر النتائج تحت عنوان "الدفاع عن النفس".

غير أن هذه الثلاثية تصطدم بجوهر القانون الدولي الإنساني، الذي وُضع تحديدًا لحماية المدنيين من مثل هذه السيناريوهات.

وفي المحصلة، يصبح "الإعتراف" الصادر عبر البيانات الرسمية والإعلام العبري عنصرًا حاسمًا في قراءة المشهد.

فحين يُعلن عن إخلاء جماعي بالتزامن مع ضربات وُصفت بالإنتقامية، لا يعود النقاش محصورًا في الرواية السياسية، بل ينتقل إلى مستوى المساءلة القانونية.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام ضرورة عسكرية، أم أمام سياسة ضغط وتهجير تُدار تحت غطاء الحرب؟

إن الصمت المطبق لرئيس الحكومة الذي من المفترض أن يكون ضليعًا بالقانون الدولي؛ وعدم تصديه لخرق السيادة، وخرق بنود وقف أطلاق النار، والدفاع عن الشعب اللبناني، يكون قد تخلى عن تعهده في مقدمة البيان الوزاري بالدفاع عن سيادة لبنان وحماية شعبه لصالح قوات الإحتلال.

وعلى مجلس النواب التحرك فورًا، وبالرغم من عدم توفر أكثرية الثلثين، لمعالجة هذا الخلل الخطير، الذي قد يرقى إلى الخيانة العظمى.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

02 أيار/مايو 2026