تحطيم جنود الاحتلال تمثال المسيح في جنوب لبنان حقد صهيوني دفين وسلوك عنصري مشين
مقالات
تحطيم جنود الاحتلال تمثال المسيح في جنوب لبنان حقد صهيوني دفين وسلوك عنصري مشين
مهدي مبارك عبد الله
3 أيار 2026 , 19:17 م


منذ قرون طويلة شكل موقع السيد المسيح في التاريخ الديني والروحي نقطة تقاطع حساسة بين روايات متعددة بعضها قائم على الإيمان والتقديس وبعضها الآخر على الجدل والخلاف اللاهوتي ومع أن هذه الخلافات بقيت في إطارها الديني والفكري في كثير من الأحيان إلا أن توظيفها في سياقات سياسية أو عسكرية يحولها إلى عناصر صراع ويعيد إنتاجها بطريقة مشحونة بالرمزية والاستفزاز

الفيديو المصور لجندي إسرائيلي وهو يهشم رأس تمثال السيد المسيح بمطرقة بعد إسقاطه من موقعه في قرية دبل بجنوب لبنان أشعل موجة غضب عارمة عالمية على منصات التواصل وعقب تشكيك أولي في صحة الصورة أقر الجيش الإسرائيلي بمسؤولية جنوده عن هذا الانتهاك بعد تحقيق رسمي وقدم بعدها وزير الخارجية الإسرائيلي اعتذار تل أبيب عن الواقعة المشين

في السياق المعاصر لا يمكن فصل أي سلوك يصدر عن جيش يعمل في منطقة نزاع عن بنيته المؤسسية وثقافته العملياتية فالجنود لا يتحركون في فراغ بل ضمن منظومة كاملة من الخطاب السياسي والأمني ومن إدراك مسبق لطبيعة الأرض التي يعملون فيها وما تحمله من حساسيات دينية وتاريخية وعليه فإن استهداف رمز ديني بهذا الحجم حتى لو قدم لاحقا على أنه تصرف فردي يطرح تساؤلات جدية حول حدود الانضباط العسكري وحول طبيعة الوعي الذي يحكم سلوك بعض الجنود في الميدان

بلدة دبل الواقعة في قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية ليست مجرد نقطة جغرافية بل جزء من فضاء جنوبي مثقل بتاريخ طويل من الحروب والاعتداءات والتوترات وهي بلدة ذات غالبية مسيحية تحمل في وعيها الجمعي ذاكرة مركبة من الانتماء الديني والوطني معا ما يجعل أي مساس برموزها الدينية مساسا مباشرا بهويتها وكرامتها الجماعية الراسخة

حادثة تحطيم التمثال كما أظهرتها المقاطع المصورة لم تكن مجرد تخريب مادي بل فعل رمزي مكثف فالمطرقة التي هوت على التمثال لم تستهدف حجرا فحسب بل أصابت شعورا دينيا عميقا لدى سكان البلدة وأثارت صدمة تجاوزت حدود المكان إلى العالم المسيحي الأوسع هذا البعد الرمزي هو ما يفسر حجم الغضب الذي تلا الحادثة ويكشف أن القضية لم تكن تقنية أو عرضية بل ذات دلالات أبعد بكثير

محاولة الجيش الإسرائيلي احتواء الموقف عبر تقديم تمثال بديل لم تنجح في تبديد هذا الغضب بل زادت من تعقيد المشهد فالسكان رفضوا الهدية ليس اعتراضا على الرمز الديني بحد ذاته بل على الجهة التي قدمته والسياق الذي جاء فيه في الوعي الجنوبي ولا يمكن فصل الرموز عن مصدرها وقبول مبادرة ظاهرها تعويض بينما جذورها ترتبط بفعل إهانة سابق والاغرب ان الجيش الاسرائيلي قرر في النهاية عدم إحالة الجندي المعتدي على تمثال المسيح إلى اي تحقيق جنائي والاكتفاء بإجراء تأديبي فقط

هذا الرفض الجريء عكس وعيا عميقا بما يعرف بالقوة الناعمة أي استخدام الرموز الدينية أو الثقافية لتخفيف حدة الصورة العسكرية أو إعادة صياغة العلاقة مع المجتمع المحلي غير أن هذا الأسلوب يصطدم غالبا بجدار الذاكرة خاصة في مناطق عانت من الاحتلال والحروب حيث تقرأ كل مبادرة ضمن سياقها السياسي وليس بمعزل عنه

حقيقة الحادثة الجبانة كشفت عن مفارقة لافتة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يقدم نفسه على أنه يحترم التعددية الدينية ويحمي الأماكن المقدسة بينما تظهر على الأرض ممارسات تناقض هذا الادعاء وهذه المفارقة ليست جديدة بل تتكرر في أكثر من ساحة سواء في غزة أو الضفة الغربية حيث تعرضت دور عبادة ومؤسسات دينية لأضرار جسيمة خلال العمليات العسكرية ما يعزز الشكوك حول جدية هذا الخطاب

في المقابل لا يمكن إغفال حقيقة أن المشهد المسيحي في المنطقة ليس أحادي الموقف فقد شهد التاريخ الحديث نماذج بارزة لشخصيات مسيحية عربية انخرطت في مقاومة الاحتلال أو وقفت إلى جانب القضايا الوطنية من رجال دين ومفكرين ومناضلين ما يعكس أن الانتماء الديني لم يكن يوما حاجزا أمام الانخراط في قضايا التحرر والعدالة بل كان في كثير من الأحيان دافعا أخلاقيا لها كما أن الواقع اللبناني ذاته يعكس تعقيدا إضافيا حيث تتقاطع الانتماءات الدينية مع التحالفات السياسية فتظهر حالات دعم أو تقاطع بين قوى مختلفة بما فيها وجود شخصيات مسيحية ضمن بيئات سياسية حليفة لقوى مقاومة وهو ما يبرز طبيعة المشهد المركب الذي لا يمكن اختزاله في ثنائيات بسيطة

بعد ايام قليلة من جريمة تحطيم تمثال المسيح قام جنودً اسرائيليين في نفس بلدة دبل القريبة من الحدود الجنوبية للبنان بتدمير عدة ألواح طاقة شمسية كانت جزءًا من بنية تحتية مدنية تُستخدم من قبل مئات السكان الذين لم يتم إجلاؤهم وبقوا في منازلهم ما يعني أنهم حُرموا من الطاقة التي تولّدها تلك الألواح مما يؤكد ان هذه السلوكيات المتعمدة هي جزء من سياسة إسرائيلية وممنهجة تستهدف سبل الحياة اليومية والرموز الدينية والتاريخ والذاكرة والآثار للمسيحيين والمسلمين معا كما انها تذكر بتدمير عدة مساجد ومواقع دينية في جنوب لبنان خلال العمليات العسكرية في مشاهد أعادت إلى الأذهان ما جرى في قطاع غزة من استهداف لدور العبادة

ختاما : إن حادثة تحطيم تمثال المسيح ليست مجرد واقعة ميدانية بل مرآة تعكس توترات أعمق تتعلق بكيفية إدارة الصراع وبحدود احترام الرموز الدينية في بيئة مشحونة وبفشل بعض الأدوات العسكرية في إدراك حساسية الفضاء الذي تعمل فيه وهي أيضا تذكير بأن الرموز في مناطق النزاع لا تكسر بسهولة ولا ترمم بهدية لأن معناها يتجاوز المادة إلى الذاكرة والكرامة والانتماء وبين المطرقة التي هوت على التمثال والرفض الذي قوبلت به محاولة التعويض تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن الصراع في هذه المنطقة ليس فقط على الأرض بل على المعنى أيضا وأن أي تجاهل لهذا البعد سيعيد إنتاج الأزمات بدل احتوائها

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]