تقرير تحليلي حول سياسة إدارة الخسائر العسكرية والإعلامية لدى إسرائيل في المواجهة مع المقاومة
مقالات
تقرير تحليلي حول سياسة إدارة الخسائر العسكرية والإعلامية لدى إسرائيل في المواجهة مع المقاومة
عباس المعلم
6 أيار 2026 , 22:26 م

منذ قيام إسرائيل عام 1948، اعتمدت المؤسسة العسكرية والأمنية فيها نهجًا صارمًا في إدارة المعلومات المتعلقة بخسائرها، ولا سيما الخسائر البشرية والعسكرية. ويأتي هذا النهج ضمن إطار أوسع يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ”إدارة الإدراك” ، حيث لا يقتصر الصراع على الميدان، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام داخليًا وخارجيًا.

ثانياً: سياسة التعتيم على الخسائر العسكرية

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن إسرائيل تتبع سياسة أكثر تشددًا في ما يتعلق بخسائرها في العتاد العسكري مقارنة بالخسائر البشرية. إذ لم يسبق لها، في معظم المواجهات، الاعتراف رسميًا بتدمير أو إعطاب دبابات ومدرعات وآليات عسكرية، رغم توثيق العديد من حالات الاستهداف المباشر عبر وسائل الإعلام الحربي التابعة للمقاومة في لبنان وفلسطين.

ويُلاحظ أن هذا التعتيم يتخذ عدة أشكال:

الإنكار المباشر لوقوع الخسائر.

تجاهل التغطية الإعلامية الصادرة عن الطرف المقابل.

حصر الاعتراف بالخسائر البشرية في حال تعذّر إخفاؤها، خصوصًا عند وجود أدلة مصورة.

ثالثاً: الدوافع الاستراتيجية للتعتيم

يمكن تفسير هذا النهج عبر مجموعة من العوامل المتداخلة:

الحفاظ على صورة التفوق العسكري

تسعى إسرائيل إلى ترسيخ صورة تفوقها التكنولوجي والعسكري، وإظهار منظوماتها القتالية كأنها شبه منيعة. ويهدف ذلك إلى:

تعزيز الردع النفسي لدى الخصوم.

تقويض ثقة الجمهور بقدرات أسلحة المقاومة، حتى وإن كانت فعالة ميدانيًا.

الاعتبارات الاقتصادية والتجارية

يرتبط قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية بشكل وثيق بأسواق التصدير العالمية. وبالتالي، فإن الاعتراف بإصابة أو تدمير معدات عسكرية قد:

يؤثر سلبًا على سمعة المنتجات الدفاعية.

يؤدي إلى تراجع الطلب في الأسواق الدولية.

يثير تساؤلات حول كفاءة هذه المنظومات أمام أسلحة أقل تطورًا أو محلية الصنع.

إدارة الجبهة الداخلية

يهدف التعتيم إلى الحد من التأثيرات النفسية السلبية على المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام تجاه الخسائر العسكرية.

رابعاً: معطيات ميدانية في المواجهة مع لبنان

في سياق المواجهة الحالية مع لبنان، تشير تقديرات متداولة إلى تعرض أكثر من 300 قطعة عسكرية إسرائيلية (تشمل دبابات، مدرعات، ناقلات جند، وجرافات عسكرية) للاستهداف أو التدمير الجزئي والكلي. وقد جرى توثيق جزء كبير من هذه العمليات عبر تسجيلات مصورة نشرتها حزب الله.

ورغم ذلك، يقتصر الاعتراف الإسرائيلي غالبًا على:

الخسائر البشرية المرتبطة بهذه الآليات، خاصة عند انتشار الأدلة المصورة.

إصابة الجرافات العسكرية، نظرًا لكونها تُشغَّل أحيانًا من قبل عناصر مدنية ضمن شركات متعاقدة مع الجيش.

خامساً: التعامل مع خسائر الطيران المسيّر والمروحي

فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة والمروحيات، يتبع الجيش الإسرائيلي نمطًا مشابهًا من الإنكار أو التجاهل، حيث:

لا يتم الاعتراف بإسقاط أو إصابة أي وسيلة جوية إلا في حال وجود دليل مصور واضح.

حتى في حالات الإعلان عن محاولات استهداف، غالبًا ما يتم تجاهل الحادثة بالكامل إذا لم تُوثق بصريًا.

وقد شهدت جبهة لبنان خلال المواجهات الأخيرة عدة حوادث استهداف لمسيّرات ومروحيات، قُدِّر عددها بأكثر من ثماني حالات، دون اعتراف رسمي إسرائيلي، رغم إعلان المقاومة عن تحقق إصابات مباشرة في بعضها.

سادساً: الحرب على الصورة والسردية

تكشف هذه المعطيات أن الصراع لا يقتصر على البعد العسكري الميداني، بل يمتد إلى حرب سرديات وصور. ففي حين تعمل إسرائيل على:

تكريس صورة “التفوق المطلق” غير القابل للاختراق،

وضبط تدفق المعلومات بما يخدم هذه الصورة،

تسعى المقاومة إلى:

كسر هذه السردية عبر التوثيق البصري،

إبراز هشاشة بعض المنظومات العسكرية،

التأثير على الرأي العام المعادي والدولي.

سابعاً: خلاصة تقييمية

يمكن القول إن إدارة إسرائيل لملف الخسائر العسكرية تمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها الشاملة، التي تمزج بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. وفي المقابل، يشكّل الإعلام الحربي للمقاومة أداة مضادة تسعى إلى تقويض هذه الاستراتيجية عبر تقديم رواية بديلة مدعومة بالأدلة.

وعليه، فإن فهم ديناميات هذا الصراع يتطلب قراءة متوازنة تجمع بين المعطيات الميدانية والتحليل الإعلامي، باعتبار أن “صورة النصر” لا تقل أهمية عن النصر نفسه في معادلات الحروب الحديثة.

عباس المعلم - كاتب سياسي