عبد الحميد كناكري خوجة: بالأحمر والأبيض، بالأخضر والأسود كفناه، وبالأصفر يا مارسيل خليفة ودعناه.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: بالأحمر والأبيض، بالأخضر والأسود كفناه، وبالأصفر يا مارسيل خليفة ودعناه.

”حين تتعانق الرايات فوق نعوش شهدائنا الأبرار، يسقط منطق الهيمنة وتنهض جغرافيا الكرامة؛ فالأرض التي تروى بالوفاء لا تورث للاحتلال، والشعوب العظيمة كشعوب إيران وفلسطين واليمن والعراق وسورية ولبنان، تعيد كتابة التاريخ بالحبر والدم والصبر."

{بالأخضر كفناه، بالأحمر كفناه، بالأبيض كفناه، بالأسود كفناه... لا الريح تحاسبنا إن أخطأنا لا الرمل الأصفر... لا الموج ينادينا إن خطف النوم أعيننا والورد إحمر... يا دمه النازف...إن كنت عذابا يوميا لا تصفر... يا دمه يا دمه يا دمه....}

في زمن تتزاحم فيه الخرائط على حافة النار، وتختبر فيه الجيوبولتيك العنيف، تظل فلسطين ولبنان أكثر من مجرد فضاءين سياسيين؛ إنهما سؤال مفتوح في ميتافيزيقيا الصراع، وامتحان دائم لمعنى الإنسان حين يحاصر بين القوة والحق. هناك، لا تقاس الأوطان بحدودها، بل بقدرتها على إنجاب المعنى من رحم الألم، وعلى تحويل الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى بوصلة.

ليست المواجهة في جوهرها حادثة عابرة في مسار التاريخ، بل هي صراع عميق بين مشروع كولينالي يسعى إلى إعادة تشكيل الوجود على مقياس الهيمنة، وبين شعوب قررت أن الكرامة ليست خيارا ثانويا، بل شرطا للوجود نفسه. وفي هذا السياق، يكون يصبح الزود عن لبنان وفلسطين تعبيرا عن حق أصيل في مقاومة المستعمر المستدمر، وهو حق تكرسه المواثيق الدولية، وتؤكده الذاكرة الجمعية للشعوب الحرة.

لقد حاولت هندسة القوة الحديثة أن تعيد صياغة الوعي عبر أدوات سيكولوجية وإعلامية معقدة، تنتج سرديات موجهة وتعيد تشكيل الإدراك. غير أن ما يمكن تسميته ب ”براديغم المقاوم" قد كسر هذا الاحتكار الرمزي، وأعاد تعريف العلاقة بين القوة والمعنى، بين السلاح والإرادة، بين الأرض ومن يسكنها بالحق لا بالقهر.

وفي قلب هذا المشهد المهيب، يتجلى الشهيد بوصفه علامة تتجاوز الجسد إلى الدلالة. فعندما يلف بالأحمر والابيض، وبالأخضر والأسود، ثم يودع بالأصفر، ” راية {المقاومة الوطنية اللبنانية الشامخة}. فإننا لا نكون أمام طقس وداع فحسب، بل أمام بناء سيميولوجي لجبهة الوفاء والشموخ والإباء. هنا تتحول الألوان إلى لغة. واللغة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى ميثاق أخلاقي يعيد ربط الإنسان بأرضه ويحول الفقد إلى استمرار، والانكسار إلى امتداد للمعنى. إن المقاومة، في بعدها الأعمق، ليست فعلا عسكريا فقط، بل هي بنية فكرية وأخلاقية، تعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنا يرفض الإلغاء، ويصر على أن يكون جزءا من تاريخ لا يكتب عنه، بل يكتبه بدمه ووعيه معا.

وحين يهدأ ضجيج السرديات ، يبقى ما لا يمحى: أن الأرض التي تعرفت إلى شهدائها لا تنسى، وأن الشعوب التي تصوغ ذاكرتها من تضحياتها لا تهزم، مهما اشتد الحصار أو تعقدت خرائط القوة.

إنهم ليسوا غائبين أو مغيبين، بل حاضرون في كل نبض يرفض الخضوع، وفي كل ذاكرة ترفض المحو، وفي كل جيل يعيد طرح السؤال الأول: لماذا يولد الإنسان حرا ثم يطلب منه أن يساوم على حريته؟ وهنا، تطل بصمتي من خلال ريشة قلمي ومداد حبري، لا كعلامة عابرة في النص، بل كصوت يشتغل على حدود اللغة والرمز، يلتقط في الألم فلسفته، ومن الصراع معناه، ومن التاريخ قراءته الخاصة. أجعل من الكلمة مساحة للوعي، ومن الوعي امتدادا للكرامة، ومن الكرامة احتمالا دائما للنهضة.

وفي نهاية حريتي هنا، لا يغلق هذا النص على جواب، بل يترك في القلب أثرا مفتوحا: أن المعنى الحقيقي لا يقال كاملا، بل يحس، وأن الشعوب التي تعرف كيف تشيع شهداءها، وبرائحة دمهم الذكية، تعرف أيضا كيف تصنع مستقبلها. وأن الذاكرة حين تشتعل لا تعود مجرد ماض... بل تصبح طريقا.

اللهم أذقنا طعم الشهادة. فالشهادة في سبيل دفاعنا عن طهر تراب أرضنا هي الريادة وهي السعادة.

كاتب سوري.