✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
في خضمّ ما تعيشه المنطقة اليوم من تحولات كبرى، وحروبٍ مفتوحة، واصطفافاتٍ متسارعة مع العدوّ، وانكشافٍ غير مسبوق لوجوه وأقنعة بعض حكّام العرب، نجد واقعهم مُجسَّدًا في إجَابَة حكيمٍ عندما سأله أحد الأمراء عن سبب انتهاء دولتهم، فقال:
"أمورٌ صغار سلّمناها لكبار،
وأمورٌ كبار سلّمناها لصغار،
فضِعنا بين إفراطٍ وتفريط،
قرّبنا العدوّ طمعًا بكسب وده،
وبعّدنا الصديق ضامنين ولاءه،
فنالنا غدر الأول، وخسرنا ولاء الثاني!".
هذه العبارة تشريح كامل لواقعٍ عربي مأزوم، خُصُوصًا لدى بعض أنظمة الخليج التي ظنت أن الحماية الأمريكية قدرٌ أبدي، وأن التحالف مع كيان العدوّ سيمنحها الأمن والاستقرار والنفوذ.
فماذا كانت النتيجة؟
أمريكا التي باعت الوهْم لحلفائها تركتهم اليوم في قلب العاصفة، تستنزف أموالهم، وتدفعُهم نحو مزيد من التورط، بينما كيان العدوّ الذي رفعه الأعرابُ إلى مرتبة الحليف بات عبئًا أمنيًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا على الأنظمة التي هرولت نحوه.
لقد سلّمت بعضُ أنظمة الخليج قرارَها السيادي للخارج، وربطت أمنَها بالقواعد الأجنبية، وفتحت أبوابَ التطبيع، وابتعدت عن قضايا الأُمَّــة، وفي مقدمتها فلسطين، وظنت أن المقاومة قد انتهت، وأن زمن المواجهة قد ولّى.
لكن ما شهدته المنطقة من أحداث كبرى، وما يجري في غزة ولبنان واليمن وإيران، قلب المعادلات كلها، وأثبت أن الأُمَّــةَ ما تزال حيّة، وأن قوى المقاومة هي التي فرضت معادلات الردع، بينما بدت الأنظمة العميلة مرتبكة، خائفة، وعاجزة حتى عن حماية صورتها أمام شعوبها.
واليوم، بعد الضربات التي هزّت أمريكا وكِيان الاحتلال الغاصب، وبعد انكشاف حجم فشلهما في إدارة الصراع، نجد بعض دول الخليج نفسها أمام مأزقٍ حقيقي، ومع ذلك لا تزال مُستمرّة في الارتهان لأمريكا وكيان العدوّ رغم الخسائر وانكشاف الحقائق.
السيد القائد الحكيم حذّر مرارًا من تجرّع بعض الحكّام مرارةَ ثقتهم بالعدوّ الأمريكي، وأكّـد أن من يراهن على أمريكا سيُخذل، وأن العدوّ لا يريد للعرب عزّةً ولا استقلالًا، يريدهم أدواتٍ تابعة تدفع الأموال وتنفذ الإملاءات، ثم تُرمى عند انتهاء الدور.
إن أخطر ما وقعت فيه بعض الأنظمة ارتماؤها تحت أقدام العدوّ، وابتعادها عن الأشقاء الحقيقيين، وعن شعوبها، وعن خيار القوة والاستقلال.
فحين ضُمن ولاء الصديق أُهمل، وحين طُمع بودّ العدوّ قُرّب، كانت النتيجة خسارةَ الاثنين، معًا.
إن المنطقة اليوم تدخل مرحلةً جديدة، عنوانُها تراجُعُ الهيمنة الأمريكية تدريجيًّا، وصعود قوى ترفض الخضوع والإملاءات.
ومن لا يقرأ المتغيرات بعقلٍ وحكمة، قد يجد نفسَه يدفع ثمنًا باهظًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، وها هي الأحداث تثبت تلك الحقائق تباعًا؛ فمن يقف في المكان الخطأ سيدفع الثمن أولًا.
فهل ستعود بعض الأنظمة العربية إلى محيطها الطبيعي، وإلى شعوب الأُمَّــة وقضاياها العادلة؟ أم ستستمر في السير خلفَ السراب الأمريكي حتى تقع في الهاوية ذاتها التي سقط فيها غيرها؟
عُمُـومًا، الأيّام القادمة كفيلةٌ بالإجَابَة.