في لحظة تُحبس فيها أنفاس الشرق الأوسط على وقع التهديدات العسكرية والتصعيد النووي، تبدو زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عادية. فالزيارة تأتي فيما تقف المنطقة على حافة انفجار كبير بين الولايات المتحدة وإيران، وسط سباق محموم بين الحرب والتسوية، وبين القوة العسكرية والصفقات الدولية الكبرى.
اللافت أن ترامب لا يزور بكين وحيدا، بل يرافقه عدد من كبار رجال الاقتصاد والتكنولوجيا الأمريكيين، من بينهم إيلون ماسك، وتيم كوك، وجينسن هوانغ، ولاري فينك، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تبحث فقط عن تفاهمات سياسية، بل عن إعادة رسم التوازن الاقتصادي العالمي مع الصين، القوة الوحيدة القادرة فعليًا على التأثير في القرار الإيراني.
الصين اليوم ليست مجرد حليف اقتصادي لطهران، بل شريانها الحيوي. فبكين تشتري القسم الأكبر من النفط الإيراني رغم العقوبات، وتمنح إيران قدرة على الصمود في وجه الضغوط الغربية. كما أن الاتفاق الاستراتيجي طويل الأمد بين البلدين جعل من إيران جزءا مهما من المشروع الصيني العالمي الممتد عبر الطاقة والموانئ وخطوط التجارة.
لكن توقيت زيارة ترامب يكشف ما هو أبعد من الاقتصاد. المنطقة تشهد تحركات عسكرية غير مسبوقة؛ قاذفات أمريكية من طراز “بي-1 بي لانسر” تحلق فوق الشرق الأوسط، وغواصات نووية تظهر قرب مضيق جبل طارق، وعشرات ناقلات الوقود الأمريكية تهبط في مطار بن غوريون لدعم الجبهة الإسرائيلية، بينما تواصل واشنطن مطاردة شبكات تمويل الحرس الثوري وتعرض مكافآت مالية ضخمة مقابل أي معلومات تعطل نشاطه المالي.
في المقابل، ترفع إيران سقف التهديد بشكل واضح. رئيس البرلمان الإيراني أكد أن بلاده جاهزة لكل الخيارات، فيما أعلن مسؤولون إيرانيون أن طهران قد تصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% إذا تعرضت لهجوم جديد، وهو ما يعني عمليًا الاقتراب من العتبة النووية العسكرية.
وسط هذا المشهد، تدرك واشنطن أن الصين تملك القدرة على لعب دور حاسم. فبكين هي الطرف القادر على الضغط اقتصاديا على إيران، لكنها أيضا تدرك أن سقوط طهران أو انهيارها الكامل سيهدد أمن الطاقة العالمي ويضرب المصالح الصينية مباشرة، خصوصًا مع الحديث عن احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز وما يحمله ذلك من خسائر هائلة لأسواق النفط العالمية.
لهذا تبدو زيارة ترامب إلى بكين محاولة لفتح باب تفاهم دولي جديد: إما دفع الصين للمشاركة في احتواء إيران، أو على الأقل منعها من تحويل طهران إلى قوة قادرة على الصمود طويلا في مواجهة المشروع الأمريكي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحمل بكين مفاتيح التسوية الأخيرة مع إيران، أم أن العالم يتجه نحو مواجهة كبرى ستبدأ من الخليج وتعيد رسم النظام الدولي