تُعد خلايا HeLa واحدة من أهم الاكتشافات في تاريخ الطب الحديث، إذ لا تزال هذه الخلايا البشرية تعيش وتنقسم داخل المختبرات العلمية حول العالم بعد أكثر من 70 عاما على وفاة صاحبتها.
وقد لعبت هذه الخلايا دورا محوريا في تطوير لقاحات وعلاجات لأمراض خطيرة، من بينها شلل الأطفال والسرطان وفيروس نقص المناعة البشرية “HIV” ، كما استخدمت في أبحاث فيروس كورونا وحتى في التجارب الفضائية.
لكن خلف هذا الإنجاز العلمي الكبير تقف قصة إنسانية معقدة بطلتها السيدة الأمريكية الأفريقية Henrietta Lacks، التي تحولت خلايا جسدها إلى أساس لثورة علمية غير مسبوقة.
بداية القصة مع هنرييتا لاكس
في عام 1951، توجهت Henrietta Lacks إلى مستشفى Johns Hopkins Hospital بعد معاناتها من آلام ومشكلات صحية نسائية، ليتبين لاحقا أنها مصابة بسرطان عنق الرحم العدواني.

وخلال فترة العلاج، أخذ الأطباء عينات من الورم ومن الأنسجة السليمة دون علمها أو الحصول على موافقتها، وهو أمر كان شائعا في تلك الفترة قبل ظهور مفاهيم “الموافقة المستنيرة” في الأبحاث الطبية.
ووصلت العينات إلى الباحث والطبيب George Otto Gey، الذي كان يدرس الخلايا السرطانية على أمل العثور على خصائص استثنائية يمكن أن تفيد العلم.
لماذا كانت خلايا HeLa مختلفة؟
أظهرت الخلايا المأخوذة من ورم هنرييتا سلوكا غير مسبوق؛ فبدلا من الموت بعد عدد محدود من الانقسامات كما يحدث مع الخلايا الطبيعية، استمرت هذه الخلايا في الانقسام والنمو بلا توقف.
وحملت الخلايا اسم HeLa المكوّن من أول حرفين من اسم ولقب هنرييتا لاكس.
وتُعرف هذه الظاهرة في علم الأحياء باسم “الخلود الخلوي”، إذ تتميز خلايا HeLa بنشاط مرتفع لإنزيم “التيلوميراز”، مما يمنع تآكل التيلوميرات المسؤولة عن تحديد عمر الخلية.
وكانت هذه الخلايا تتضاعف كل 20 إلى 24 ساعة تقريبا، مما وفر للعلماء مصدرا دائما وغير محدود للتجارب الطبية والبيولوجية.
كيف ساهمت خلايا HeLa في إنقاذ ملايين البشر؟
تطوير لقاح شلل الأطفال
خلال خمسينيات القرن الماضي، استخدمت خلايا HeLa على نطاق واسع لاختبار لقاح شلل الأطفال الذي طوره العالم Jonas Salk.
وساعدت هذه الخلايا العلماء على فهم طريقة انتشار الفيروس داخل الجسم والتأكد من فعالية اللقاح وسلامته قبل توزيعه عالميا.
دور محوري في أبحاث السرطان
استُخدمت خلايا HeLa في اختبار آلاف العلاجات والأدوية المضادة للسرطان، بما في ذلك العلاج الإشعاعي.
كما ساعدت الأبحاث المعتمدة عليها في اكتشاف العلاقة بين فيروس الورم الحليمي البشري وسرطان عنق الرحم، وهو ما أدى لاحقا إلى تطوير لقاحات ووسائل وقاية حديثة.
المساهمة في فهم فيروس HIV
في بدايات انتشار الإيدز، لاحظ العلماء أن خلايا HeLa لا تُصاب بسهولة بفيروس HIV، ما دفع الباحثين إلى دراسة آلية انتشار الفيروس بشكل أعمق.
وأسهمت هذه الدراسات في تطوير أدوية تساعد على الحد من انتشار الفيروس داخل الجسم.
استخدامها في أبحاث كوفيد-19
مع ظهور فيروس كورونا المستجد SARS-CoV-2، استُخدمت خلايا HeLa في دراسة آلية ارتباط الفيروس بالخلايا البشرية.
وساعدت التعديلات الجينية التي أُجريت على هذه الخلايا الباحثين في فهم طريقة عمل الفيروس، ما دعم جهود تطوير اللقاحات والعلاجات.
الجدل الأخلاقي حول خلايا HeLa
رغم الفوائد العلمية الضخمة، أثارت قصة خلايا HeLa جدلا أخلاقيا واسعا، لأن أخذ العينات من هنرييتا لاكس تم دون موافقتها أو علم عائلتها.
وظلت عائلتها لسنوات طويلة لا تعرف أن خلاياها تُستخدم في المختبرات حول العالم.
وفي سبعينيات القرن الماضي، اكتشف الباحثون اختلافات جينية بين سلالات خلايا HeLa الموجودة في المختبرات، ما دفعهم إلى التواصل مع أفراد عائلة لاكس للحصول على عينات DNA للمقارنة، وهنا انكشفت القصة بالكامل.
وفي عام 2013، توصلت العائلة إلى اتفاق مع National Institutes of Health يمنحها حق المشاركة في القرارات المتعلقة باستخدام بيانات الجينوم الخاصة بخلايا HeLa.
إرث علمي وإنساني مستمر
رغم أن Henrietta Lacks دُفنت في قبر غير معروف الموقع لسنوات طويلة، فإن إرثها العلمي لا يزال حاضرا بقوة داخل المختبرات ومراكز الأبحاث حول العالم.
ويؤكد العلماء أن خلايا HeLa ما تزال حتى اليوم أداة أساسية في البحوث الطبية، ومن المتوقع أن تستمر في لعب دور مهم في اكتشافات علمية مستقبلية.
لكن قصة هنرييتا لاكس تظل أيضا تذكيرا دائمًا بأهمية احترام أخلاقيات البحث العلمي وحقوق المرضى في الموافقة والمعرفة.