سيد قطب والإخوان مشروع الدم والتكفير
مقالات
سيد قطب والإخوان مشروع الدم والتكفير
ا. خالد الحديدي / مصر
3 حزيران 2026 , 10:56 ص

بقلم خالد الحديدي/ مصر

في هذه المقالة، أتناول مسارًا فكريًا بالغ الحساسية امتد أثره إلى تشكيل خطاب ديني متطرف، وأعاد إنتاج مفاهيم الإيمان والانتماء بصورة حادة انعكست على الواقع الفكري والسياسي، بما يستدعي فحصًا نقديًا مباشرًا لما ترتب عليه من تحولات وتأثيرات.

سيد قطب لم يكن يومًا مفكرًا إصلاحيًا أو ناقدًا أدبيًا بريئًا، بل كان العقل الذي صاغ أخطر مشروع دموي في تاريخنا الحديث. الرجل الذي بدأ حياته شاعرًا يكتب عن الجمال الفني في القرآن، انتهى إلى منظّر يزرع الكراهية ويشرّع القتل باسم الدين. مأساة قطب أنه لم يكتفِ بتشويه صورة الإسلام، بل جعل منه أداة سياسية مغلقة، لا تعرف سوى العنف وسيلة للتغيير. ومن هنا، تحوّل إلى الأب الروحي لجماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي لم تكن يومًا سوى مصنع لإنتاج التطرف وتصدير الإرهاب.

الإخوان وجدوا في قطب ضالتهم الفكرية. نصوصه التي تتحدث عن الحاكمية والجاهلية الحديثة كانت بمثابة السلاح الذي شرّع لهم تكفير المجتمع بأسره. لم يعد الدين عندهم رسالة أخلاقية أو روحانية، بل صار مشروعًا للسيطرة على الدولة والمجتمع، مشروعًا يختزل الإنسان إلى هدف، والمجتمع إلى ساحة حرب. قطب هو الذي وضع الأساس لفكرة أن المجتمع كله كافر، وأن جماعة صغيرة هي (الطليعة المؤمنة) تملك الحق في فرض حكم الله بالقوة. هذه الفكرة هي التي تحولت لاحقًا إلى وقود للقاعدة وداعش وبوكو حرام، وكلها تنظيمات إرهابية استندت إلى كتاباته لتبرير جرائمها.

جماعة الإخوان لم تكن يومًا حركة دعوية كما تدّعي، بل كانت منذ نشأتها مشروعًا للهيمنة، يرفع شعار الدين ليخفي وراءه مشروعًا سياسيًا دمويًا. ومع قطب، اكتسبت الجماعة شرعية فكرية للعنف، فأصبح التكفير جزءًا من بنيتها الداخلية. من مصر إلى سوريا إلى العراق، ومن أفغانستان إلى نيجيريا، امتدت عدوى فكر قطب عبر الإخوان لتصبغ العالم الإسلامي بدماء الأبرياء. كل تنظيم إرهابي جديد يجد في كتبه مرجعًا، وفي أفكاره شرعية لجرائمه، وهذا هو الخطر الأكبر أن الفكر المسموم يُعاد إنتاجه بلا توقف.

قطب كتب عن الجمال الفني في القرآن، لكنه انتهى إلى خطاب صارم لا يعرف سوى الأبيض والأسود. احتفى بالرمزية والبلاغة، لكنه جعل من الدين مشروعًا سياسيًا مغلقًا. تحدث عن الإيمان والصفاء، لكنه مارس أقسى أشكال الإقصاء. هذا التناقض هو ما جعل إرثه أرضًا خصبة للتأويل الدموي، حيث تحوّل النص إلى وقود للعنف، والرمز إلى سلاح، والجماعة إلى آلة قتل. الإخوان بدورهم لم يترددوا في استغلال هذا الفكر، فحوّلوه إلى أداة لتجنيد الشباب، وغسل عقولهم، ودفعهم إلى ساحات الدم باسم الدين.

إن الهجوم على سيد قطب ليس هجومًا على شخص، بل على مشروع دموي ما زال يُعاد إنتاجه حتى اليوم. الرجل كان بداية الدم، والإخوان كانوا الجسر الذي عبر منه هذا الدم إلى العالم. والنتيجة مأساة لم تنتهِ بعد، لكنها لن تُواجه إلا بفضح هذا الإرث، وكشف حقيقته، ورفضه بكل قوة. سيد قطب والإخوان معًا يمثلون أخطر ما واجهته الثقافة العربية والإسلامية: مشروع يختزل الدين إلى سلاح، والإنسان إلى هدف، والمجتمع إلى ساحة حرب.

هذه ليست مجرد قراءة في الماضي، بل صرخة ضد الحاضر: لا يمكن أن نسمح لهذا الفكر أن يستمر في تسميم العقول، ولا لهذه الجماعة أن تواصل خداع الناس بشعارات زائفة. إن مواجهة هذا المشروع تبدأ من كشف تناقضاته، وفضح جرائمه، ورفضه علنًا بلا مواربة. سيد قطب كان العقل المسموم، والإخوان كانوا اليد التي حملت هذا السم إلى جسد الأمة. والنتيجة واضحة دماء، خراب، وانهيار.

كاتب/ ناقد/ باحث / مصر