شهدت ولاية كنتاكي الأمريكية عام 1876 واحدة من أغرب الظواهر الطبيعية المسجلة في التاريخ، بعدما تحدث سكان بلدة صغيرة عن تساقط قطع تشبه اللحم من السماء في حادثة لا تزال تحير العلماء حتى اليوم.
ووقعت الحادثة صباح 3 مارس 1876 في بلدة أوليمبيا سبرينغز، عندما تحول لون السماء بشكل مفاجئ قبل أن تبدأ أجسام حمراء صغيرة بالتساقط على الأرض كالمطر.
شهود العيان وصفوا «مطرا من اللحم»

قالت المعلمة المحلية ماري كراوتش، التي كانت من أبرز شهود الواقعة، إن قطعا حمراء صغيرة كانت تهبط من السماء بشكل كثيف، ووصفت المشهد بأنه بدا وكأن الطبيعة "تبكي دما".
أما المزارع هاريسون غيل، فأوضح أنه اعتقد في البداية أن الأمر مجرد خدعة، لكنه أدرك لاحقا أن القطع المتساقطة تشبه اللحم الطازج بالفعل.
وبحسب الروايات المتداولة آنذاك، كانت القطع متفاوتة الحجم وداكنة اللون، وسقطت فوق مساحة واسعة نسبيا.
الصحف الأمريكية وثقت الحادثة
انتشرت أخبار الواقعة بسرعة في الصحف الأمريكية خلال تلك الفترة، حيث نشرت عدة وسائل إعلام شهادات السكان وتفاصيل الحدث الغريب.
وذكرت صحيفة Louisville Commercial في عددها الصادر بتاريخ 6 مارس 1876 أن رجلين قاما بتذوق المادة المتساقطة واعتقدا أنها تشبه لحم الضأن أو الغزال.
كما تحدثت بعض الروايات عن قطة تابعة لعائلة كراوتش تناولت كمية من هذه القطع.
وجُمعت عينات من المادة الغامضة لإجراء تحليلات علمية، ولا تزال إحدى العينات محفوظة في متحف محلي حتى اليوم.
فرضيات متعددة دون إجابة نهائية
منذ وقوع الحادثة، حاول العلماء تقديم تفسيرات مختلفة لما حدث، إلا أن أيًا من الفرضيات لم يحصل على قبول علمي كامل.
النسور أو الطيور الجارحة
اقترح بعض الباحثين أن طيورا جارحة ربما أسقطت بقايا فرائسها من السماء.
لكن هذه الفرضية لم تفسر سبب بقاء القطع طازجة وعدم ظهور علامات تحلل عليها، إضافة إلى الكمية الكبيرة التي سقطت.
إعصار حمل بقايا حيوانات
فرضية أخرى تحدثت عن احتمال قيام إعصار أو دوامة هوائية بحمل بقايا حيوانات قبل إسقاطها فوق البلدة.
غير أن سجلات الطقس لم تظهر أي دلائل على حدوث أعاصير في المنطقة يوم الواقعة، كما رأى باحثون أن هذا السيناريو غير منطقي بالكامل.
تفسيرات غير علمية
ظهرت كذلك تفسيرات مرتبطة بظواهر خارقة أو تدخلات فضائية، لكنها بقيت ضمن نطاق التكهنات دون أي أدلة علمية.
هل كان الأمر مجرد بكتيريا؟
في سبعينيات القرن التاسع عشر، قام العالم ليوبولد برانديس بتحليل بعض العينات، ونشر استنتاجاته في مجلة Scientific American.
وخلص إلى أن المادة المتساقطة ربما لم تكن لحما حقيقيا، بل نوعا من البكتيريا الزرقاء المعروفة باسم "نوستوك" (Nostoc).
وتكوّن هذه الكائنات مستعمرات هلامية تنتفخ عند تعرضها للمطر، وقد تبدو شبيهة بقطع اللحم بسبب لونها وقوامها.
لماذا بدت هذه النظرية مقنعة؟
رأى الباحثون أن الرياح قد تحمل مستعمرات النوستوك الجافة إلى الجو، ثم تنتفخ وتسقط مع الأمطار.
كما أن مظهرها بعد امتصاص الماء قد يفسر التشابه الكبير مع اللحم النيئ.
وأشار بعض العلماء إلى أن هذه البكتيريا آمنة نسبيا، بل تُستخدم غذائيا في بعض الثقافات.
لكن الجدل استمر
رغم ذلك، لم تُنهِ هذه النظرية حالة الجدل، إذ أكد بعض الشهود أن المادة المتساقطة كان لها طعم يشبه اللحم الحقيقي، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة النوستوك.
كما لم يتمكن العلماء حتى اليوم من تأكيد ما إذا كانت العينات المحفوظة تعود فعلًا إلى هذه البكتيريا أو إلى مادة أخرى مجهولة.
فرضيات حديثة: الأعاصير المائية والبالونات
مع تطور العلوم، ظهرت تفسيرات أحدث تحاول فهم الظاهرة بطريقة أكثر علمية.
الإعصار المائي
إحدى الفرضيات الحديثة تشير إلى احتمال حدوث إعصار مائي قام بسحب كائنات أو بقايا حيوانية إلى الغلاف الجوي قبل إسقاطها لاحقا فوق اليابسة.
وتستند هذه الفكرة إلى حوادث موثقة شهدت تساقط أسماك أو ضفادع من السماء في مناطق مختلفة حول العالم.
لكن المشكلة الأساسية تبقى غياب أي بيانات مناخية تؤكد حدوث إعصار مائي في كنتاكي يوم الواقعة.
تجارب البالونات الهوائية
فرضية أخرى تحدثت عن احتمال سقوط شحنة لحم من منطاد هوائي تجريبي، خاصة أن تلك الفترة شهدت تجارب على نقل البضائع بواسطة البالونات.
غير أن المؤرخين لم يجدوا وثائق تؤكد تنفيذ مثل هذه التجارب في المنطقة خلال ذلك الوقت.
لغز علمي ما زال مفتوحا
حتى الآن، لا يملك العلماء تفسيرا نهائيا لحادثة "المطر اللحمي" في كنتاكي.
فالشهادات التاريخية تبقى مثيرة لكنها ذات طابع شخصي، بينما لم تتمكن التحليلات العلمية من تقديم دليل حاسم يفسر كل تفاصيل الواقعة.
ولهذا لا تزال الحادثة تُصنف كواحدة من أكثر الألغاز الطبيعية غرابة في التاريخ الحديث، في وقت يواصل فيه الباحثون البحث عن تفسير علمي مقنع.