هناك العديد من المفاهيم الخاطئة والأساطير الشائعة حول الفضاء، والتي ترسخت بسبب أفلام الخيال العلمي أو المعلومات المغلوطة والقديمة. وقد ساهمت الروايات ووسائل الإعلام في نشر تصورات غير دقيقة عن الفضاء الخارجي.
إليكم أبرز هذه المفاهيم الخاطئة مع التفسير والتصحيح العلمي لها:
• 1- الانفجار الكبير ليس انفجاراً عادياً في الفضاء
يُعد الاعتقاد بأن الانفجار الكبير كان انفجاراً عادياً للمادة داخل فضاء فارغ من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً في علم الكونيات.
الحقيقة العلمية هي أن الانفجار الكبير لم يكن انفجاراً داخل الفضاء، بل كان توسعاً للفضاء نفسه.
فالانفجار التقليدي، كالقنبلة مثلاً، يحدث داخل مكان موجود مسبقاً وينثر المادة في محيطه، أما الانفجار الكبير فكان تمدداً هائلاً وسريعاً للزمكان نفسه، حاملاً معه المادة والطاقة. ولم يكن هناك “مكان” خارج الكون، لأن المكان والزمان نشآ مع بداية هذا التوسع.
كما أنه لا توجد نقطة مركزية للكون يتمدد منها كل شيء، بل إن جميع المجرات تبتعد عن بعضها في كل الاتجاهات، بحيث يمكن اعتبار كل نقطة مركزاً نسبياً للتوسع.
ورغم تسمية “الانفجار العظيم”، فإن العملية لم تكن انفجاراً فوضوياً، بل توسعاً شديد الحرارة والكثافة أعقبه تبريد تدريجي ومنظم وفق القوانين الفيزيائية.
باختصار: تشير النماذج العلمية الحالية إلى أن الكون بدأ من حالة فائقة الكثافة والحرارة، ثم بدأ بالتمدد والتبريد حتى وصل إلى شكله الحالي.
• 2- الشمس ليست صفراء
يُعتقد شائعاً أن الشمس صفراء اللون، لكن هذا غير دقيق علمياً.
فالشمس في الحقيقة تبعث ضوءاً يحتوي على جميع ألوان الطيف المرئي، وعند امتزاج هذه الألوان يظهر الضوء باللون الأبيض.
أما ظهورها باللون الأصفر أو البرتقالي من الأرض، فيعود إلى الغلاف الجوي الذي يشتت الأطوال الموجية القصيرة، مثل الأزرق والبنفسجي، بشكل أكبر، فتصل إلينا الألوان الأطول كالأصفر والأحمر.
ولهذا السبب تبدو الشمس أكثر احمراراً وقت الشروق والغروب، بسبب مرور الضوء بمسافة أطول داخل الغلاف الجوي.
أما في الفضاء، فيراها رواد الفضاء بيضاء ناصعة.
الخلاصة: الشمس نجم أبيض، والغلاف الجوي للأرض هو السبب في اصفرارها الظاهري.
• 3- الفضاء ليس شديد البرودة دائماً
يُوصف الفضاء غالباً بأنه شديد البرودة، لكن هذا التوصيف غير دقيق بالكامل.
فالفضاء الخارجي عبارة عن فراغ شبه تام، ودرجة الحرارة بالمعنى التقليدي ترتبط بحركة الجزيئات، وحيث لا توجد جزيئات تقريباً، يصبح مفهوم الحرارة مختلفاً.
وتبلغ حرارة الإشعاع الكوني الخلفي نحو 2.7 كلفن فقط، وهي من أبرد الدرجات المعروفة.
لكن الأجسام الموجودة في الفضاء قد تصبح شديدة السخونة عند تعرضها المباشر لأشعة الشمس، وشديدة البرودة في الظل، بسبب غياب الغلاف الجوي.
كما أن انتقال الحرارة في الفضاء يتم عبر الإشعاع فقط، وليس عبر الهواء كما على الأرض، لذلك يواجه رواد الفضاء تقلبات حرارية كبيرة.
وتوجد أيضاً مناطق شديدة الحرارة في الكون، مثل هالة الشمس، التي تصل فيها درجات الحرارة إلى ملايين الدرجات.
الخلاصة: الفضاء ليس “ثلاجة عملاقة”، بل بيئة ذات تناقضات حرارية كبيرة تعتمد على الإشعاع والتعرض للشمس.
• 4- الانفجارات في الفضاء صامتة
تُظهر أفلام الخيال العلمي الانفجارات الفضائية على أنها صاخبة، لكن الحقيقة العلمية مختلفة تماماً.
فالصوت يحتاج إلى وسط مادي لينتقل عبره، كالهواء أو الماء، بينما الفضاء الخارجي فراغ شبه تام، لذلك لا يمكن للصوت أن ينتقل فيه.
ولو حدث انفجار مركبة فضائية أمامك مباشرة، فسترى الضوء والشظايا والبلازما، لكنك لن تسمع أي صوت.
وفي بعض الحالات، قد تنتقل الاهتزازات عبر جسم المركبة الفضائية نفسها، لكن ليس على شكل صوت كما يحدث داخل الغلاف الجوي للأرض.
الخلاصة: الفضاء الخارجي صامت تقريباً.
• 5- حزام الكويكبات ليس مزدحماً
تصور أفلام الخيال العلمي حزام الكويكبات كمنطقة مزدحمة بالصخور المتطايرة، لكن الحقيقة مختلفة.
فعلى الرغم من وجود ملايين الكويكبات في الحزام الواقع بين المريخ والمشتري، فإنها موزعة على مساحة هائلة جداً، وتفصل بينها مسافات شاسعة قد تصل إلى مئات آلاف الكيلومترات.
ولهذا استطاعت مركبات فضائية عديدة عبور الحزام دون الحاجة إلى مناورات معقدة لتفادي الاصطدامات.
الخلاصة: حزام الكويكبات واسع وفارغ نسبياً، وليس منطقة خطيرة ومكتظة كما تصوره الأفلام.
• 6- “الوجه على المريخ” مجرد خداع بصري
في عام 1976 التقط مسبار “فايكينغ 1” صورة لتضاريس على المريخ بدت وكأنها وجه بشري ضخم، مما أثار الكثير من الجدل.
لكن الصور عالية الدقة التي التقطت لاحقاً أوضحت أن التكوين ليس سوى هضبة صخرية طبيعية، ظهرت بتلك الهيئة بسبب الظلال وزاوية الإضاءة.
ويفسر العلماء ذلك بظاهرة نفسية تُعرف باسم “باريدوليا”، وهي ميل الدماغ لرؤية أشكال مألوفة، كالوجوه، في أشياء عشوائية.
الخلاصة: لا يوجد وجه حقيقي أو آثار حضارة على المريخ، بل مجرد خداع بصري طبيعي.

• 7- رائد الفضاء لا يتجمد فوراً
من أشهر أخطاء أفلام الخيال العلمي أن الإنسان يتجمد مباشرة إذا خرج إلى الفضاء دون بدلة.
في الواقع، لن يحدث تجمد فوري، لأن الفضاء فراغ، والحرارة لا تنتقل فيه بسرعة كما يحدث في الهواء.
الخطر الأكبر هو نقص الأكسجين، إذ يفقد الإنسان وعيه خلال 10 إلى 15 ثانية تقريباً.
كما أن انخفاض الضغط يؤدي إلى غليان بعض السوائل السطحية في الجسم وانتفاخ الأنسجة، لكن الجسم لا ينفجر ولا يتجمد مباشرة.
ومع مرور الوقت، يفقد الجسم حرارته تدريجياً حتى يتجمد.
الخلاصة: الوفاة في الفضاء تحدث بسبب الاختناق وفقدان الضغط، وليس بسبب التجمد الفوري.
• 8- الجاذبية ليست منعدمة في الفضاء
يظن البعض أن رواد الفضاء يطفون بسبب غياب الجاذبية، لكن الجاذبية موجودة في كل مكان تقريباً في الكون.
فعلى ارتفاع محطة الفضاء الدولية، لا تزال الجاذبية الأرضية قوية وتبلغ نحو 90% من قوتها على سطح الأرض.
ويطفو الرواد لأنهم والمحطة في حالة سقوط حر مستمر حول الأرض، مما يخلق شعوراً بانعدام الوزن.
لهذا يستخدم العلماء مصطلح “الجاذبية الصغرى” بدلاً من “انعدام الجاذبية”.
• 9- الكوكب التاسع لا يهدد الأرض
تنتشر شائعات تزعم أن “الكوكب التاسع” سيدمر الأرض، لكن لا يوجد أي دليل علمي يدعم ذلك.
فحتى الآن، لا يزال الكوكب التاسع مجرد فرضية فلكية يستدل عليها العلماء من خلال تأثيرات جاذبية غير مباشرة في أطراف النظام الشمسي.
وإذا كان موجوداً بالفعل، فمن المرجح أنه يقع على مسافات هائلة وبعيدة جداً عن الأرض، ويدور في مدار مستقر لا يتقاطع مع مدارات الكواكب الداخلية.
الخلاصة: لا يوجد أي خطر معروف أو متوقع من الكوكب التاسع على الأرض.
• 10- الإنسان لا ينفجر في الفضاء
تُظهر بعض الأفلام أن جسم الإنسان ينفجر فور تعرضه للفضاء، لكن هذا غير صحيح علمياً.
فالجلد والأنسجة البشرية مرنة بما يكفي لتحمل فرق الضغط لفترة قصيرة، لذلك لا يحدث انفجار للجسم.
لكن الإنسان سيفقد وعيه سريعاً بسبب نقص الأكسجين، وستحدث انتفاخات في الجسم نتيجة انخفاض الضغط وغليان بعض السوائل السطحية.
الخلاصة: الإنسان لا ينفجر في الفضاء، لكن التعرض للفراغ يبقى قاتلاً خلال وقت قصير.
• 11- لا يوجد “جانب مظلم” دائم للقمر
يعتقد كثيرون أن هناك جانباً من القمر لا تصله أشعة الشمس أبداً، لكن هذا غير صحيح.
فجميع أجزاء القمر تتعرض لضوء الشمس، إلا أننا نرى دائماً الوجه نفسه بسبب دوران القمر حول نفسه بنفس سرعة دورانه حول الأرض، وهي ظاهرة تُعرف بالقفل المدي.
ولهذا يسمى الجانب الآخر “الجانب البعيد” وليس “الجانب المظلم”.
الخلاصة: جميع أجزاء القمر تشهد نهاراً وليلاً، ولا يوجد جانب مظلم دائماً.
• 12- سور الصين العظيم لا يُرى بسهولة من الفضاء
من أكثر الخرافات انتشاراً أن سور الصين العظيم هو البناء الوحيد الذي يمكن رؤيته من الفضاء.
لكن رواد الفضاء أكدوا أن رؤيته بالعين المجردة من المدار الأرضي المنخفض صعبة جداً، بسبب ضيقه وتشابه ألوانه مع التضاريس المحيطة.
وفي المقابل، يمكن أحياناً رؤية مدن كبيرة وطرق ومطارات بشكل أوضح منه.
الخلاصة: سور الصين العظيم ليس البناء الوحيد المرئي من الفضاء، وغالباً يصعب تمييزه دون أدوات بصرية.
• 13- الثقوب السوداء لا تبتلع كل شيء
يُصور الثقب الأسود أحياناً كمكنسة كونية تبتلع كل ما يقترب منها، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.
فالثقوب السوداء تخضع لقوانين الجاذبية نفسها التي تحكم النجوم والكواكب.
ولو استبدلنا الشمس بثقب أسود يملك الكتلة نفسها، فستستمر الأرض بالدوران في المدار ذاته، لأن الجاذبية تعتمد على الكتلة والمسافة.
ولا تبتلع الثقوب السوداء الأجسام إلا إذا اقتربت جداً منها وتجاوزت ما يسمى “أفق الحدث”.
كما تشير بعض النماذج النظرية إلى أن الثقوب السوداء قد تفقد كتلتها تدريجياً عبر ما يعرف بإشعاع هوكينغ.
الخلاصة: الثقوب السوداء أجسام ذات جاذبية هائلة، لكنها لا تبتلع كل شيء في الكون.
ختاماً، تنتشر العديد من المفاهيم الخاطئة حول الفضاء بسبب صعوبة تصور بيئة تختلف جذرياً عن الحياة على الأرض، إضافة إلى تأثير الأفلام والقصص الخيالية والتفسيرات المبسطة للمفاهيم.
بقلم الدكتور هادي قاسم
دكتور في الكيمياء الحيوية
ماليزيا.