كتب الأستاذ إيهاب شوقي:
مقالات
كتب الأستاذ إيهاب شوقي: "وهم السلام المزعوم.. من هدنة 1949 إلى إتفاق 17 أيار وخرق الاتفاقيات في غزة"
ايهاب شوقي
21 أيار 2026 , 10:38 ص

كم من أطروحات فاسدة ورهانات خاطئة صيغت بعناوين براقة، ووضعت في قوالب مخادعة، فأصبحت مقولات حق يُراد بها باطل، وهو ما أورث الندم والانحدار الاستراتيجي لأوطان كثيرة لم تتعلم من الدروس، ولم تستفد من الأخطاء رغم تكرارها مرارًا، بل وحضورها ومعاصرتها في جبهات ملاصقة؟

ولعل راية "السلام" هي أكبر راية رُفعت زيفًا لتبرير التفريط والاستسلام من جانب عربي، فيما استغلها الصـ.ــهـ..ـاينة لتسويغ وشرعنة التوسع والاستيطان.

والشاهد هنا أن الـعــدو الصهــيونـي لا يحترم هدنة ولا اتفاقًا، بل ولا حتى معاهدة بضمانة أممية، تحت إشراف مجلس الأمن، وتحت الفصل السابع الذي يُجبر الدول على احترام معاهداتها، فقد خرق طوال تاريخه المشؤوم كل اتفاقياته، حتى أصبح مجرد التقارب معه والسعي لأي هدنة أو اتفاق بمثابة شبهة استسلام وحفظ ماء وجه، بسبب المعرفة المسبقة بغدره، ولليقين بأن رعاة الاتفاقيات متواطئون، وأن مجلس الأمن انتقائي في تطبيق قراراته.

وتسعى السلطة اللبنانية حالياً في اتجاهٍ تاريخيٍّ خاطئ، وترتكب خطيئة مزدوجة؛ فهي من جهة تذهب إلى الرهان الخاطئ على الـعـدو "الإسـرائيلي" واحترامه لأي اتفاقات، وعلى الراعي الأميركي القائد للعــدوان، والذي أثبت أنه طرف أصيل وليس وسيطاً ولا ضامناً. ومن الجهة الأخرى، ترفع الغطاء عن جنوب لبنان والبقاع باستثنائهما من مساعيها الفاشلة نحو وقف إطلاق النار، وهو ما يشرعن الـ.ـعــ.ـدوان الصهـ.ــيونـرـي ويكرس حقيقة مؤسفة بأن السلطة لا تعتبر الجنوب أو البقاع ضمن مسؤوليتها، بل ويشي بأنها تتعاون مع الـ.ـعــ.ـدو ضد المـ.ـقاومة وجمهورها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطة اللبنانية لعقد ولو شبه اتفاق لوقف إطلاق النار وتكرار تجربة إتفاق 17 أيار 1983، لتبرير أشواقها للتقارب مع الـ.ـعــ.ـدو والخلاص من أعباء وتبعات الكرامة والسيادة والمـ.ـقاومة، نرى أمثلة صارخة على انتهاك الـ.ـعــ.ـدو لاتفاقياته في غـ.ـزة وفي سوريا، رغم تطابق إجراءات التهدئة المطلوبة ووجود نفس الضامن الأميركي، وهو ما يطرح سؤالًا كبيرًا عن فطنة السلطة اللبنانية ووعيها بما يدور حولها، أم أنها تتعامى عن ذلك، أم لديها رؤية أن لبنان سيكون استثناء؟ وعلى أي أساس بُنيت هذه الرؤية؟

وهنا، لا بد من التذكير -ولو بشكل سريع ومختصر- بسلوك الـ.ـعــ.ـدو ورعاته، وعجز وتواطؤ المجتمع الدولي، وغياب القانون الدولي عن محاسبته على تنصله من جميع التزاماته ومعاهداته.

أولًا: أمثلة حية من غـ.ـزة وسوريا

لعل ما يحدث في غـ.ـزة وسورية هو أكبر مصداق وأكبر عبرة لأي سلطة تقدم على عقد اتفاقات مع الـ.ـعــ.ـدو "الإســ..ـرائيلي"، باعتبارهما أحدث نموذجين لهذا الانتهاك، ولتطابق السياق ووجود نفس الرعاة لما تريد سلطة لبنان تجربته من مجربات فاشلة.

وباختصار، فإن سياق المساعي الأميركية لتحييد جبهة لبنان هو نفس السياق لإنهاء المـ.ـقاومة في غـ.ـزة والمنطقة، وهو ما كان وراء تدشين "مجلس السلام" وتجريد غـ.ـزة من المـ.ـقاومة تحت وعود الرخاء والاستثمار، وهو ما تلوح به أميركا للبنان عبر وعود الاستثمارات والمناطق الاقتصادية في الجنوب، وهو سبب هدم غـ.ـزة وتسوية مبانيها بالأرض، وهو ما يتم تكراره واستنساخه في جنوب لبنان.

وما يحدث في سوريا من تدجين نظامها في اتفاقيات التطـ..ـبيع، والحرص على صمته أمام الانتـ..ـهاكات، وإبقائه في المعسـ.ـكر المعادي للمـ.ـقاومة، يتم أيضًا تحت نفس الوعود والإغراءات الاقتصادية.

ولكن، هل احترم الـكـ..ـيان وراعيه الأميركي هذه التهدئة؟

واقع الحال يقول ما يأتي:

في غـ.ـزة:

اخترقت "إســ..ـرائيل" اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 2400 مرة خلال نصف عام، ومؤخرًا قامت باغتيال الشهـ..ـيد عز الدين الحداد، وتسعى لتوسعة "الخط الأصفر"، ولم تدخل المساعدات المتفق عليها، ويتم تحويل غـ.ـزة تدريجيًا إلى جحيم طارد لأهلها مع تلويح دائم بالتهجير.

في سورية:

يخترق الـ.ـعــ.ـدو "الإســ..ـرائيلي" الحدود السورية بشكل شبه يومي، ويقيم الحواجز ويعتقل مواطنين سوريين، ويقــصـ..ـف داخل دمشق، ويعلن ضم الجولان بشكل نهائي، بل وضم جبل الشيخ وكل ما قام باحتـ.ـلاله بعد خلو سوريا من الجيش العربي ومن أوراق القوة والمـ.ـقاومة.

الانتهاك والغدر صفة تاريخية ثابتة للكيان

هنا نحن نتحدث عن صفة راسخة، وليس سلوكًا ظرفيًا أو استثنائيًا للكيان، فقد اتخذت "إســ..ـرائيل" من الهدن والاتفاقات وسيلة دائمة لكسب الوقت، ولملمة القوى، ومحاولة زرع الفتن في الجبهات الأخرى، ثم عاودت الغدر والتوسع.

ويمكن هنا استعراض بعض النماذج التاريخية والأدلة على هذه الطبيعة الصهـ.ــيونـ.ـية الراسخة منذ النشأة المشؤومة وحتى اللحظة الراهنة:

في حـ..ـــرب عام 1948:

فرضت الأمم المتحدة هدنة إجبارية لمدة شهرين، يُحظر خلالها التوسع على الأرض أو تلقي إمدادات السـ.لاح، وقد استغلت "إســ..ـرائيل" الهدنة لاستقدام الطا ئرات الحر بية من الدول الغربية من جهة، وللتحرك على الأرض لتطويق القوات العربية وكسب مواقع استراتيجية من جهة أخرى، وساعدت الهدنة المذكورة العصابات الصهـ.ــيونـ.ـية على التغلب على الجيوش العربية في المرحلة الثانية من الحر ب.

خرق هدنة 1949:

لعل أقوى نموذج للانتهاك الصارخ للاتفاقيات والالتزامات هو نموذج خرق هدنة 1949، بسبب قوة ضماناتها وصعوبة تكرار إلزام دولي على غرارها. فقد أمر مجلس الأمن، وبالاستناد إلى الفصل السابع، في قراريه الرقمين 61 و62 الصادرين في 4 و16 تشرين الثاني/نوفمبر 1948، أطراف النزاع في فلسـ.ـطين - مصر، سوريا، الأردن، لبنان و"إســ..ـرائيل" - بإعلان هدنة عامة تتضمن إقامة خطوط هدنة دائمة يُمنع تجاوزها، وانسحابًا وتخفيضًا للقوى المسـ.ـلحة من جانبي هذه الخطوط ضمانًا لها. ومع ذلك قامت "إســ..ـرائيل" بخرق هذه الاتفاقيات.

مع مصر:

لم تكد تمر عدة سنوات حتى قـ.ـتل جيش الاحتـ.ـلال نحو 25 من الجنود المصريين العاملين بقطـ.ـاع غـ.ـزة في شباط/فبراير 1955.

وبعدها خرقت الهدنة حين اتفقت سرًا مع دولتي بريطانيا وفرنسا على شن الـ.ـعــ.ـدوان الثلاثي على مصر، والذي استهله جيش الاحتـ.ـلال يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر على سيناء المصرية.

مع سوريا:

نقضت "إســ..ـرائيل" الهدنة مع سوريا في 11 كانون الأول/ديسمبر 1955 بالهـ..ـجوم على سوريا، فيما عُرف وقتها باسم "عـ..ــمـلـيـة أوراق الزيتون".

مع لبنان:

استمرت الخروقات الصهـ.ــيونـ.ـية للحدود مع الجنوب اللبناني إلى أن تخلت "إســ..ـرائيل" عن الاتفاقية بعد حـ..ـــرب عام 1967.

وهنا نسترشد بالسلوك "الإســ..ـرائيلي" طوال فترة الهدنة من كلام الجيش اللبناني نفسه، والذي يقول على موقعه الرسمي نصًا:

"لم يكن التزام "إســ..ـرائيل" بالاتفاقية منذ توقيعها عام 1949 مستقيمًا وثابتًا، ولم تعطها الأهمية التي تستحقها كاتفاقية دولية هي طرف فيها، وهي قائمة ومستمرة بضمانة مجلس الأمن الدولي. فـ"إســ..ـرائيل" كانت ترجع إلى الاتفاقية وتستخدمها وتعترف بها خدمة لمصالحها، في حين كانت لا تعترف بها عندما ترى أنها عقبة أمام سياساتها ومخططاتها وطموحاتها".

الخلاصة

إن تاريخ الـ.ـعــ.ـدو منذ 1948، مرورًا باتفاقيات أوسلو وجميع الصفقات والهدن مع المـ.ـقاومة الفلسـ.ـطينية، وخروقات اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة وغيرها من الاتفاقيات الدولية، وصولًا إلى قــصـ..ـف دولة قطر بتواطؤ أميركي كامل رغم العلاقات المميزة بين قطر وأميركا، وعدم وجود مشكلات بين قطر و"إســ..ـرائيل"، ووصولًا إلى غدره في غـ.ـزة وسورية وتهـ..ـديداته الاستراتيجية لمصر والأردن، كل ذلك يؤكد أننا أمام عدو لا يحترم إلا القوة، ولا يفي بأي تعهدات، ولا يمكن الرهان على التزامه، بل إن الرهان الوحيد هو على امتلاك القوة، فقد افترس كل من فرّط في القوة ونزع إلى عنوان السلام بمضمون وجوهر آخر، وهو الاستسلام.

الأكثر قراءة ماهي ميزة الخصوصية الجديدة على منصة X وكيف يمكن تفعيلها ؟
كل ما تريد معرفته عن ميزة إخفاء الاعجاب على منصة X
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً