من حرية العمل إلى حرية الاستهداف كيف قيّد حزب الله الجيش الإسرائيلي؟
مقالات
من حرية العمل إلى حرية الاستهداف كيف قيّد حزب الله الجيش الإسرائيلي؟
عباس المعلم
21 أيار 2026 , 11:01 ص

ما يكشفه مسار العمليات الأخيرة لحزب الله لا يرتبط فقط بتصعيد ناري أو زيادة بعدد الهجمات، بل بتحوّل واضح في طبيعة إدارة المعركة نفسها، وانتقال الحزب تدريجياً إلى مستوى أعلى من “التناسب العملياتي” مع جيش الاحتلال، سواء على مستوى جمع المعلومات، أو الرصد، أو اختيار الأهداف، أو نوعية الوسائط المستخدمة بالتنفيذ.

ففي المراحل الأولى من الحرب، كان التركيز الإسرائيلي منصبًا على منع الحزب من امتلاك حرية الحركة والرصد تحت الضغط الجوي الهائل، عبر مئات الغارات الجوية ومحاولات تدمير البنية التقنية والاتصالات ومسارات الإمداد. لكن ما يظهر اليوم ميدانياً وإعلامياً، وفق اعترافات إسرائيلية متزايدة، هو أن الحزب لم ينجح فقط في الحفاظ على قدرته العملياتية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على “الاستهداف النوعي الدقيق” للقادة والضباط والبنى القتالية الحساسة داخل الميدان.

بالأمس، تحدث الإعلام العبري عن استهداف مركبة في مستوطنة “مسكاف عام”، واليوم يكشف موقع “والا” العبري عن حدث أكثر حساسية، يتمثل بانفجار مسيّرة انتحارية تعمل بتقنية الألياف البصرية داخل مبنى يتحصن فيه جنود الاحتلال في جنوب لبنان، ما أدى إلى إصابة قائد اللواء 401 وعدد من الجنود، وإخلائهم بالمروحيات إلى المستشفيات.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في وقوع إصابات داخل وحدة عسكرية إسرائيلية، بل في طبيعة العملية نفسها. فالمسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية تُعد من أكثر الوسائط تطورًا في بيئات الحرب الإلكترونية، لأنها تتجاوز جزءًا كبيرًا من أنظمة التشويش والرصد التقليدية، وتعتمد على اتصال مباشر وآمن يصعب اعتراضه أو تعطيله إلكترونياً مقارنة بالمسيّرات التقليدية المعتمدة على البث اللاسلكي.

وهذا يعني أن الحزب لا يستخدم فقط مسيّرات هجومية انتحارية، بل بات يوظف تقنيات أكثر تطورًا مرتبطة بالحرب الإلكترونية والتوجيه الدقيق والعمل داخل بيئات قتالية مشبعة بالتشويش الإسرائيلي. والأخطر بالنسبة لجيش الاحتلال أن هذه العمليات تُنفذ رغم استمرار العدوان الجوي والبري والبحري المكثف على لبنان، ما يشير إلى قدرة الحزب على الحفاظ على شبكات القيادة والسيطرة والرصد تحت النار، وهي من أعقد عناصر الاستمرارية في الحروب الحديثة.

كما أن الانتقال إلى استهداف قادة وضباط ومراكز تحصن داخلية يعكس تطورًا كبيرًا في جمع المعلومات الاستخبارية الميدانية. فالوصول إلى مبنى يتحصن فيه قائد لواء أو تحديد مركبة مخصصة لقيادات عسكرية يتطلب سلسلة مترابطة من الرصد والمتابعة والتحليل والتأكيد المسبق للأهداف، وليس مجرد إطلاق نار عشوائي أو استهداف بالنمط التقليدي.

في المقابل، تعكس طريقة التغطية العبرية لهذه العمليات حجم القلق الإسرائيلي المتزايد من فقدان “حرية العمل” داخل الشريط الحدودي وجنوب لبنان. فحين يقر الإعلام العبري والجيش الإسرائيلي بأن جزءًا واسعًا من حركة القوات والتموضعات بات مهددًا بالمسيّرات الدقيقة، فهذا يعني عمليًا أن الحزب نجح في فرض معادلة ردع ميدانية جزئية تقوم على جعل أي تحرك عسكري إسرائيلي مكشوفًا وقابلاً للاستهداف.

وهنا تحديدًا يظهر مفهوم “التناسب” الذي تطورت إليه المعركة. فالحزب لا يواجه التفوق الجوي الإسرائيلي بتفوق جوي مماثل، بل ببناء بيئة استنزاف ذكية تعتمد على الاستهداف الدقيق،تعطيل الحركة،

إرهاق القوات،ضرب منظومات القيادة والسيطرة،وإبقاء الجبهة في حالة تهديد دائم.

وهذا النمط من الحروب لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بمدى القدرة على تقليص هامش تفوق الخصم وتحويل نقاط قوته إلى عبء عملياتي دائم عليه.

ما يجري اليوم على الجبهة اللبنانية يشير بوضوح إلى أن حزب الله لم يعد يخوض حرب “رد فعل” تقليدية، بل بات يدير جزءًا كبيرًا من المواجهة بعقلية هجومية مرنة تعتمد على التكنولوجيا والرصد والاستنزاف المركب، وهو ما يفسر تصاعد الحديث الإسرائيلي عن تراجع حرية العمل الميداني، وارتفاع القلق من المسيّرات الدقيقة والعمليات النوعية خلف خطوط التماس المباشر.

عباس المعلم - كاتب سياسي

الأكثر قراءة ماهي ميزة الخصوصية الجديدة على منصة X وكيف يمكن تفعيلها ؟
كل ما تريد معرفته عن ميزة إخفاء الاعجاب على منصة X
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً