بقلم: موسى عبّاس
لا شيء يضاهي فداحة الانزلاق في وحل الخيانة؛ فهو ليس مجرد خطأٍ في التقدير السياسي، بل هو ارتدادٌ سافر عن الهوية، وتفكيكٌ طوعي للذات الوطنية أمام عدوٍّ لا يرى في شركائه سوى "أدوات استهلاك" يتم التخلص منها فور انتهاء الحاجة. إننا اليوم في لبنان نعيش واقعاً مؤلماً، حيث تحوّلت مراكز القرار إلى مساحاتٍ لترويج التبعية، وأصبح "التفريط" يُسمى زوراً "واقعيةً سياسية".
أولاً: التفاوض تحت النار.. طعنةٌ في الظهر:
إنّ التذرع بـ "التفاوض" كحلٍّ سياسي والعدوُّ لا يزال يصبُّ حممه على رؤوس الآمنين، ليس سوى تواطؤٍ مفضوح وتفريطٍ بالسيادة. إن من يسعى لانتزاع تنازلاتٍ من المقاومة تحت وطأة القصف، لا يمارس سياسة، بل يمارس السقوط الأخلاقي في أدنى درجاته؛ إنه طعنةٌ غادرة في ظهور أولئك الذين يسطرون ملاحم البطولة بدمائهم، ويواجهون آلة القتل بشراسةٍ تصل حد الشهادة. هذا "التفاوض تحت النار" هو خيانةٌ موصوفة لا تهدف إلا لكسر إرادة الممانعة وشرعنة الانهزام أمام دبابة الاحتلال.
ثانياً:قلب الحقائق.. خيانةٌ في ثوبٍ وطني:
إنّ الفعل الخياني الأكثر سفوراً، والأكثر انكشافاً، هو ذلك الذي يجرؤ على وسم المقاومين بـ "الإرهاب"، بينما يُنصبُ في سدّة الحكم -بإرادةٍ أمريكيةٍ واضحةٍ لتنفيذ مشروعٍ فتنويٍ استسلامي- أولئك الذين أدمنوا الانصياع لإملاءات الخارج. هل يعقل أن يُتهم من يضحي بحياته لتحرير الأرض وصون العرض بالإرهاب، بينما يتقمصُ "الوكلاء" دور الوطنيين؟ إن هذا الانقلاب في المعايير هو عملية تزويرٍ ممنهجة تهدف إلى نزع شرعية البندقية، لتسهيل مرور مشروع الاستسلام الذي هندسته الدوائر الغربية لتمزيق النسيج الداخلي. هؤلاء ليسوا "وطنيين" يختلفون في الرأي، بل هم أدواتٌ في مشروع صهيونيٍ يُنفذ بأيدٍ محلية.
ثالثاً: لعنة التاريخ.. وسامُ "الهيب" الذي لن ينمحي:
إن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فحسب، بل يكتبه الصمود؛ والذاكرة الجماعية لأمتنا تمتلك ذاكرةً فولاذية لا تغفر. إن من يظن أن الغبار السياسي سيغطي عمالته فهو واهم. تماماً كما ارتبط اسم عشيرة "الهيب" في ذاكرة فلسطين كرمزٍ للارتهان التاريخي للعدو، فإن كل من يتورط اليوم في تنفيذ المشروع الصهيوني-الأمريكي سيحمل وسم "الخيانة" في جبينه إلى أبد الآبدين. هؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم دور "خفر السواحل" لمشاريع التطبيع، قد فقدوا شرف الانتماء، وسينالون من الشعوب ذات اللعنة التي لا يسقط تقادمها، فالتاريخ كشافٌ لا يرحم، وسجلاتنا الوطنية تحفر أسماءهم في خانة العار.
في الفرز النهائي.. لا مكان للرماديّة
إن المواجهة اليوم هي معركةُ وجود، لا مساحة فيها للمناطق الرمادية. لقد سقطت ورقة التوت، وأصبح الخيار واضحاً: إما أن نكون أحراراً في ميدان المقاومة، أو عبيداً في مشروعٍ صهيونيٍ يُنفذ عبر قاعات انتظار السفارات.
إن كل من يتبنى خطاب "العدو" ضد المقاومة، وكل من يبرر التفاوض في زمن النزال، قد أعلن بوضوحٍ لا لبس فيه اصطفافه. فلم يخلّد التاريخ في صفحات الشعوب الناصعة سوى المقاتلين لأجل الحريٌة منذ بدأ الصراع بين الحق والباطل؛ أما الخونة، فقد حُكم عليهم باللعنة الأبدية. لن نرضى، ولن ننسى، ولن نغفر لمن باع قضيته في سوق النخاسة السياسية؛ فالتاريخ قد بدأ فعلياً في تدوين أسمائهم في سجل العار، وهي قائمةٌ لا تمحوها اتفاقيات، ولا تعلو عليها مناصب، ولا تستر سوءتها كل عمليات التجميل السياسية.