حين تتقاطع قُدسية الحج مع هيمنة شركات العدو على اطهر البقاع
مقالات
حين تتقاطع قُدسية الحج مع هيمنة شركات العدو على اطهر البقاع
عبدالله علي هاشم الذارحي
1 حزيران 2026 , 20:42 م

✍️عبدالله علي هاشم الذارحي

لم يجعل الله الحج رحلة سياحية، ولا مناسبة موسمية لتبديل الملابس البيضاء والعودة إلى الحياة ذاتها التي كان يعيشها الإنسان قبل الحج، بل جعله محطة إيمانية كبرى لإعادة صياغة وعي الأمة ومواقفها واتجاهها في الحياة.

إن كل عبادة في الإسلام لها غاية عظيمة؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، والصيام يبني التقوى في النفوس، أما الحج فهو المؤتمر السنوي الأكبر للأمة الإسلامية، حيث تجتمع الملايين من كل بقاع الأرض في مشهد وحدوي فريد يذكر المسلمين بوحدتهم وعدوهم ومسؤولياتهم الكبرى.

والحج ليس مغسلة للذنوب السياسية والأخلاقية والمواقف المنحرفة.

وليس أن يقضي الإنسان العام كله في صف الباطل، أو في الصمت تجاه جرائم الطغيان، أو في موالاة أعداء الأمة، ثم يذهب إلى الحج متخيلاً أن كل شيء انتهى بمجرد الطواف والسعي والوقوف بعرفة.

إن الحج مدرسة عملية للبراءة من الطغيان والاستكبار، وفي مناسكه رموز عظيمة؛ فالحجاج يتحركون في مسير واحد، ويقفون موقفًا واحدًا، ويرددون نداء التوحيد الواحد، ثم يتجهون لرمي الجمرات في مشهد يرمز إلى رفض الشيطان وكل قوى الإغواء والضلال والاستكبار.

بالتالي فإن الشهيد القائد رضوان الله عليه يؤكد دائمًا أن الإسلام ليس طقوسًا جامدة، وإنما مشروع هداية وتحرير للأمة، فإن الحج يمثل إحدى أعظم المدارس العملية لتجسيد هذا المفهوم؛ مدرسة التوحيد والوحدة والبراءة من أعداء الله وأعداء الأمة.

ويبقى السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا بقي من هذه المعاني العظيمة عندما أصبحت الشركات العالمية العملاقة، المرتبطة بكيان العدو وبمراكز النفوذ المالي والسياسي الغربي، تتحكم بجزء كبير من الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين وتدير الفنادق في محيط أقدس بقاع الأرض؟

ففي محيط الكعبة المشرفة ترتفع الأبراج العملاقة التي حجبت المشهد الروحي البسيط الذي عرفه المسلمون عبر قرون طويلة، حتى أصبح بيت الله الحرام يبدو صغيرًا أمام كتل إسمنتية شاهقة تهيمن على الأفق والبصر والمشهد العام.

وللعلم أن حول الكعبة المشرفة أكثر من 29فندقًا، تتولى إدارتها عدد كبير من هذه الفنادق شركات عالمية متعددة الجنسيات، منها شركات إسرائيلية أمريكية وبريطانية وفرنسية ترتبط ملكيتها أو كبار مستثمريها بصناديق ومؤسسات مالية كبرى مثل "بلاك روك" و"فانغارد" وغيرها من المؤسسات التي يتهمها ناشطون وحركات مقاطعة بالمساهمة في تمويل شركات وصناعات عسكرية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو الداعمة له.

إن القضية هنا ليست مجرد أسماء شركات أو استثمارات عابرة، بل قضية وعي وهوية واتجاه.

فالأمة التي يُراد لها أن تتعلم في الحج البراءة من أعدائها، يجب أن تسأل نفسها: كيف وصل الحال إلى أن تصبح أكبر المستفيدين من اقتصاد الحج والعمرة شركات عابرة للقارات ترتبط مصالحها بمنظومات الهيمنة الإسرائيلية والغربية؟.

قال السيد القائد"من المهم لنا كمسلمين أن يكون لدينا فهم صحيح عما يفعله الأعداء وعن خلفياتهم مواقفهم وعن أهدافهم وما يسعون له".

لقد أراد الله للحج أن يكون موسمًا للوحدة والتحرر من التبعية، وأن يكون ساحة لتجديد الانتماء لله والبراءة من كل أشكال الطغيان والظلم.

لذلك كان الإمام الخميني رضوان الله عليه يؤكد أن "الحج بلا براءة روح بلا جسد"، لأن الحج الذي يفقد بعده الرسالي يتحول إلى طقوس شكلية فارغة من مضمونها الحضاري والتغييري.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأبشع أشكال القتل والإبادة والتجويع، ويواجه المسجد الأقصى مخاطر غير مسبوقة، يصبح الحديث عن أهداف الحج الكبرى أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فـ الحج ليس مجرد حركة أجساد بين المشاعر المقدسة، بل حركة وعي وموقف وانتماء.

وإنما نحن بحاجة إلى استعادة المعاني الحقيقية للحج؛ حجٍ يربط بين العبادة والمسؤولية، وبين الإيمان والموقف، وبين التوحيد والبراءة من الظالمين.

فالله لم يرد من المسلمين أن يطوفوا حول الكعبة ثم يطوفوا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا حول مراكز الهيمنة والاستكبار.

فالحج الذي يريده الله هو الحج الذي يوقظ الضمير، ويجمع الأمة، ويصنع الوعي، ويعيد للمسلمين إدراك من هو صديقهم ومن هو عدوهم، ومن يقف مع قضاياهم ومن يتربح من دمائهم وآلامهم.

وعندما تستعيد الأمة هذه الحقيقة، ستدرك أن أعظم ما يمكن أن يعود به الحاج من مكة ليس مجرد ذكرى رحلة مباركة، إنماوعيٌ متجدد، وموقفٌ صادق، وعهدٌ مع الله أن يبقى في صف الحق مهما كانت التحديات والتضحيات.