”حقوق الإنسان طي الكتمان والنسيان"
”في محكمة الضمير الدولي: من يكتب لائحة الاتهام، ومن يختار المتهمين؟"
{كوميديا تراجيدية على ركح الحقيقة المقلوبة، و قراءة نقدية في تناقضات الخطاب الدولي}
على خشبة رمزية تعيد تشكيل العالم كعرض مفتوح، تفتتح ”جلسة الحقيقة" دون إعلان، وكأن الزمن ذاته، استدعى ليكون شاهدا ومحل مساءلة في آن واحد.
لا قاض فرد هنا، بل شبكة من الخطابات تتناوب على صياغة المعنى، حيث تعرض القيم في الواجهة، بينما تعاد هندسة تطبيقها في الخلفية. يتقدم ”القناع" أولا، بلغة ناعمة عالية الصياغة: حقوق الإنسان، القانون الدولي، حماية المدنيين...ثم ينسحب بهدوء بعد أن يضع المفردات على الطاولة كأنها أدلة كافية لإغلاق الملف.
في مركز المشهد تتحرك منظومة القطب الأحادي كآلية إنتاج للمعايير، لا كفاعل عابر؛ فهي تعيد تعريف العدالة وفق ميزان المصالح لا وفق مبدأ المساواة أمام القانون. ضمن هذا السياق تتشكل الوقائع في صورة أزمات ممتدة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع البنى المدنية، وتتحول الجغرافيا إلى مساحات اختبار مستمر لحدود القانون الإنساني وفي هذا الإطار تظهر الآثار الإنسانية بوصفها نتيجة مركبة لا حادثا معزولا: أطفال يحرمون من مسارهم الطبيعي في الحياة، نساء يواجهن ثقل الفقد في ظروف غير متكافئة، شيوخ يعيشون تحت ضغط ممتد من الاستثناء ومدنيون يجدون أنفسهم في مناطق هشاشة عالية، حيث تتقاطع مفاهيم الحماية مع واقع يتجاوزها. كما تمتد التداعيات إلى مؤسسات مدنية يفترض أن تكون محمية وفق الأعراف الدولية، من مستشفيات ومراكز إسعاف ودور عبادة وأطقم طبية وصحفية تعمل في بيئة تتراجع فيها الحدود بين الواجب المهني ومخاطر الميدان. في هذا السياق تسجل ملاحظة قانونية ضمن محضر التحليل: تباين في تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، واختلال في توحيد معايير المساءلة عند مقارنة الحالات المتشابهة.
ثم يظهر ”المدعي العام المتناقض" كصوت إجرائي يرفع لوائح اتهام متغيرة السياق، فتبدو العدالة هنا أقرب إلى خطاب يعاد تشكيله بحسب اللحظة السياسية، لا كمرجعية ثابتة تطبق على الجميع دون استثناء.
في المقابل يتقدم أدب المقاومة كحضور فكري وتاريخي، يستند إلى مفاهيم الدفاع الشرعي وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال وفق ما استقر عليه جزء من الفقه الدولي والنقاش القانوني. ضمن هذا الإطار تظهر المقاومتان الجنوبية اللبنانية والفلسطينية ك ” فاعل ينطلق من دعوى تستند إلى حق مقاومة الإحتلال أو بتعبير آخر: محاولة ترتبط بإشكالية الإحتلال وحق الشعوب في مقاومته", ينظر إليه ضمن سياق تاريخي ممتد لا بوصفه حالة طارئة، بل نتيجة تراكمات سياسية وأمنية لم تحسم ضمن مسار تسوية نهائي شامل، ما يجعل مفهوم الشرعية هنا موضوعا للنقاش القانوني والسياسي معا.
في الهامش التحليلي يتحرك الظل السياسي_الأمني كدينامية غير مرئية مباشرة، تعيد ترتيب الوقائع وإنتاج السرديات، حيث تتداخل أدوات الإعلام مع آليات النفوذ والقرار، في بيئة تصاغ فيها الصورة العامة للعالم عبر شبكات متعددة التأثير، ما يجعل الحقيقة أقرب إلى عملية بناء مستمرة لا إلى معطى ثابت.
وفي الختام: تتقدم الكوميديا التراجيدية نحو ذروتها حين يتكشف التناقض بين الخطاب والممارسة دون الحاجة إلى إعلان إضافي. ثم ترفع العبارة الختامية كخلاصة تحليلية المشهد: » حقوق الإنسان طي الكتمان والنسيان"
وهكذا يسدل الستار على عرض لا ينتهي فعليا، بل يعاد إنتاجه بصيغ مختلفة، بينما يبقى السؤال مفتوحا في فضاء الفكر والسياسة:
كيف يمكن تحقيق انسجام بين المبادئ المعلنة وآليات تطبيقها في نظام دولي متعدد المستويات، تتداخل فيه القوة مع القانون، والخطاب مع الممارسة، دون أن يفقد الكائن الذي كرمه الله مركزه كغاية عليا للعدالة. وحين يسقط القناع، لا تحتاج الحقيقة إلى خطيب يدافع عنها، بل إلى عين ترى وضمير يزن بميزان واحد. فالمأساة ليست في غياب المبادئ، بل في اتساع المسافة بين إعلانها وممارستها؛ وهناك على خشبة مسرح العالم، لا يكشف الستار ما جرى فحسب، بل يكشف أيضا من دون النص، ومن وزع الأدوار، ومن صفق للمشهد وهو يعلم يقينا أن الحقيقة كانت خارج المسرح. ويبقى الجرح مفتوحا, والسؤال معلقا بين الضمير والمصالح: أهي عدالة عمياء حقا، أم بصيرة لا ترى إلا حيث تشتهي النفوذ؟ فويل ثم ويل ثم ويل لضمير يرفع راية الحق نهارا، ثم يواريها في ظلال المصالح ليلا، ويصمت حين ينادي الإنسان.
كاتب سياسي سوري حر وفنان وطني شامل.