بلاد الشام … هل كُتب علينا الشقاء أم أننا نعيش مرحلة من التاريخ؟
مقالات
بلاد الشام … هل كُتب علينا الشقاء أم أننا نعيش مرحلة من التاريخ؟
وائل المولى
6 حزيران 2026 , 12:01 م

منذ عقود طويلة، وربما منذ قرون، يطرح أبناء بلاد الشام السؤال ذاته بصيغ مختلفة لماذا لا نعيش كما يعيش الآخرون؟ لماذا تتكرر الحروب على أرضنا؟ لماذا تتحول أوطاننا إلى ساحات صراع فيما تبحث شعوب أخرى عن الرفاه والتقدم والاستقرار؟ وهل كُتب على هذه المنطقة أن تبقى أسيرة الدم والقلق والانقسام؟

هذه الأسئلة ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من الوعي الجمعي لشعوب أنهكتها الحروب والأزمات والتحولات الكبرى. فمن دمشق إلى القدس، ومن بيروت إلى عمّان، ومن سهول حوران إلى جبال لبنان، عاش الناس أجيالاً متعاقبة على أمل أن يكون الغد أفضل من الأمس، لكنهم وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان أمام صراعات جديدة تولد من رحم الصراعات القديمة.

لكن هل المشكلة في شعوب بلاد الشام نفسها؟ وهل العنف والطائفية والانقسام جزء من طبيعتها؟

الجواب بكل تأكيد لا . 

فبلاد الشام كانت عبر التاريخ واحدة من أعظم مراكز الحضارة الإنسانية. على أرضها نشأت مدن تعد من الأقدم في العالم، ومنها عبرت الرسالات السماوية التي دعت إلى الرحمة والعدل والمحبة. وفي أسواقها وكنائسها ومساجدها وأديرتها وجامعاتها عاش المسلم والمسيحي واليهودي والدرزي وغيرهم قروناً طويلة ضمن نسيج اجتماعي وإنساني معقد لكنه غني ومتنوع.

المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان ، بل في الجغرافيا التي جعلت هذه المنطقة في قلب الصراعات الدولية والإقليمية. فموقعها الاستراتيجي وثرواتها وأهميتها السياسية جعلتها هدفاً دائماً للمشاريع الخارجية والتنافس بين القوى الكبرى. وفي كل مرة كان المواطن العادي هو من يدفع الثمن، بينما تتغير التحالفات والحدود وموازين القوى.

ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن هذا الواقع أبدي هو خطأ تاريخي. فشعوب كثيرة في العالم مرت بمراحل أكثر دموية مما نعيشه اليوم. أوروبا التي تبدو اليوم نموذجاً للاستقرار عاشت حروباً دينية وطائفية استمرت عقوداً طويلة، وخاضت حربين عالميتين حولتا مدنها إلى أنقاض. وآسيا شهدت احتلالات ومجازر وصراعات أهلية هائلة. ومع ذلك استطاعت تلك الشعوب أن تعبر نحو مراحل جديدة من الاستقرار والبناء.

لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي ليس متى تنتهي الحروب فقط، بل كيف نصنع شروط السلام. فالسلام لا يولد من الفراغ، بل من العدالة والتنمية والتعليم والمواطنة واحترام التنوع ورفض تحويل الاختلاف الديني أو المذهبي أو القومي إلى سبب للصراع

قد يبدو الطريق طويلاً، وربما يشعر كثيرون بأن الأمل يتراجع أمام حجم المآسي التي تعيشها المنطقة، لكن التاريخ يعلمنا أن الظلام ليس قدراً دائماً. فكل مرحلة من مراحل الانهيار تحمل في داخلها بذور النهوض، وكل أمة مرت بأوقات عصيبة كانت تظن أن أزماتها أبدية قبل أن تكتشف لاحقاً أنها كانت مجرد فصل من فصول التاريخ.

ستبقى بلاد الشام، رغم الجراح، أرض الحضارات والرسالات والإنسان. وستبقى شعوبها قادرة على الحلم بمستقبل مختلف. وربما يأتي ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمات السلام والمحبة والعيش المشترك واقعاً يومياً لا مجرد أمنيات.

وعندها سيدرك الجميع أن ما جمع أبناء هذه الأرض عبر آلاف السنين كان أقوى بكثير من كل الحروب التي حاولت تمزيقهم .

المصدر: موقع اضاءات الإخباري