فصل لبنان عن إيران… وربطه بأميركا وإسرائيل ؟!
مقالات
فصل لبنان عن إيران… وربطه بأميركا وإسرائيل ؟!
عباس المعلم
8 حزيران 2026 , 13:54 م

رفعت السلطة اللبنانية شعار فصل المسار الإيراني عن لبنان تحت عناوين استعادة القرار الوطني واسترجاع السيادة وحصر خيارات الدولة بمؤسساتها الشرعية. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أنها، وفي اللحظة نفسها، عمدت إلى تسليم ما تبقى من عناصر القرار والسيادة إلى المظلة الأميركية والإسرائيلية، في مشهد سياسي يصعب العثور على نظير له حتى في أكثر مراحل الوصاية والاحتلال وضوحاً في التاريخ الحديث.

تقول السلطة إنها ترفض سياسة المحاور، لكنها انخرطت بالكامل في محور واحد، سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، حتى باتت مواقفها في كثير من الملفات تتقدم أحياناً على ما يعلنه أصحاب هذا المحور أنفسهم.

وتؤكد أنها تريد استعادة قرار الحرب والسلم، لكنها تتعامل مع واقع يمنح الاحتلال الإسرائيلي حق تحديد سقوف الاشتباك وقواعده، فيما لا يزال يحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية ويواصل اعتداءاته اليومية بمعدل غير مسبوق، من دون أن يواجه موقفاً سيادياً يتناسب مع حجم الانتهاك الواقع على الدولة وأرضها ومواطنيها.

وترفض السلطة بلهجة حادة أي موقف أو بيان إيراني يطالب بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات على لبنان، لكنها في المقابل لا تجد حرجاً في الترحيب أو التسليم بتولي مسؤولين أميركيين، وفي مقدمهم ماركو روبيو، التحدث باسم المصالح اللبنانية أو إدارة مسارات التفاوض المتعلقة بمستقبل لبنان وأمنه وحدوده، بل وحتى توفير الغطاء السياسي للرواية الإسرائيلية في كثير من المحطات.

والأكثر غرابة أن السلطة نفسها التي ترفع لواء السيادة، تبدو أقل انزعاجاً من الغارات التي تستهدف الضاحية الجنوبية وبيروت، مما تبديه تجاه أي رد إقليمي يأتي في سياق الرد على تلك الاعتداءات. فإدانة نتائج العدوان تبدو أحياناً أكثر حضوراً من إدانة العدوان نفسه.

لقد عرف التاريخ أنظمة ارتبطت بالمحتل أو خضعت لإرادته تحت وطأة الهزيمة العسكرية أو الاحتلال المباشر. من حكومة فيشي في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى نماذج متعددة نشأت تحت حراب الجيوش الأجنبية في أكثر من بقعة من العالم. أما الحالة اللبنانية الراهنة، فتكاد تكون استثنائية من حيث السعي إلى تقديم التنازلات السياسية باعتبارها إنجازاً سيادياً، والتعامل مع الارتهان للخارج بوصفه تعبيراً عن الاستقلال الوطني.

وعليه، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لسلطة ترفض أن يكون لبنان ورقة في أي تفاوض إقليمي، أن تصمت عن تحويله إلى ورقة تفاوضية بيد واشنطن وتل أبيب؟ وكيف يمكن لمن يرفع شعار حماية السيادة أن يتعامل مع الاحتلال والعدوان باعتبارهما تفصيلاً ثانوياً، فيما يتحول الاعتراض على الاحتلال نفسه إلى المشكلة الأساسية؟

إن المعضلة لم تعد في تناقض الخطاب مع الممارسة فحسب، بل في محاولة تسويق هذا التناقض على أنه ذروة الوطنية والسيادة، فيما الوقائع اليومية على الأرض تقول شي مختلف تماما ..

عباس المعلم - كاتب سياسي