بري يرفض التهجير السياسي… والسلطة توقّع على اقتلاع أبناء الجنوب !
مقالات
بري يرفض التهجير السياسي… والسلطة توقّع على اقتلاع أبناء الجنوب !
عباس المعلم
9 حزيران 2026 , 18:16 م

ليست الواقعة التي كشفها الرئيس نبيه بري بشأن اللائحة التي تضم 2300 اسماً من أبناء الجنوب ومقاتلي حزب الله المطلوب إبعادهم عن المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني مجرد تفصيل تفاوضي عابر، بل هي واقعة تؤرخ لانقسام عميق بين من يفهم معنى السيادة بوصفها صوناً للإنسان والأرض والهوية، وبين من اختزلها إلى وظيفة إدارية خاضعة لإرادة الخارج ومقتضياته.

فعندما يعلن بري رفضه القاطع لهذه اللائحة، بعدما قبلت بها السلطة اللبنانية، فهو لا يسجل اعتراضاً سياسياً فحسب، بل ينسف منطقاً كاملاً يقوم على التسليم بأن من حق المحتل أن يحدد من يبقى في أرضه ومن يُنفى عنها، ومن يملك حق الإقامة فوق تراب وطنه ومن يُدرج اسمه في دفاتر الاقتلاع والإقصاء.

ذلك أن جوهر المشروع الاحتلالي، عبر التاريخ، لم يكن الاستيلاء على الجغرافيا فحسب، بل السعي إلى اجتثاث الذاكرة الجمعية، ومحو البصمة الحضارية لأهل الأرض، وإحلال معادلات قسرية تجعل صاحب الحق متهماً، فيما يتحول الغاصب إلى مرجعية تُمنح حق الوصاية على المصائر والأقدار الوطنية.

ومن هنا تتبدى فداحة القبول الرسمي بمثل هذه الطروحات. فهؤلاء الذين يُراد اقتلاعهم من أرضهم ليسوا طارئين على الجنوب ولا وافدين إليه من تخوم الجغرافيا البعيدة، بل هم أبناء التلال والوديان والسهول التي ارتوت بدمائهم وتضحياتهم. هم الامتداد البشري والتاريخي لهذه الأرض، والركيزة الاجتماعية التي واجهت الاحتلال والحروب والاجتياحات، وقدمت على مدى عقود طويلة قوافل الشهداء والجرحى والأسرى، فيما كانت منازلهم تُسوّى بالأرض وأرزاقهم تُحرق ومواسمهم تُباد.

أما الأخطر من ذلك، فهو أن السلطة التي قبلت بهذا الطرح إنما تجاوزت حدود الضعف السياسي إلى تخوم التفريط بالمفهوم الجوهري للدولة نفسها. فليس من حق أي سلطة، أياً كانت شرعيتها أو موقعها، أن تتصرف بأصحاب الأرض وكأنهم متاع سياسي قابل للمقايضة، أو أوراق تفاوضية تُستثمر في أسواق الابتزاز الدولي والإقليمي. ذلك أن الأرض ليست ملكاً للحكام، والناس ليسوا جزءاً من موجودات السلطة حتى تهبهم أو تتنازل عن حقوقهم أو تفاوض عليهم.

وما يزيد المشهد خطورة أن بعض من يتصدرون واجهة التفاوض مع العدو، سواء في واشنطن أو عبر القنوات المفتوحة معها، يتصرفون وكأنهم يمتلكون تفويضاً تاريخياً للتنازل عن حقوق لا يملكونها أصلاً. فهم لا يملكون حق التفاوض على هوية الجنوب، ولا حق المساومة على أهله، ولا حق التصرف بإرث وطني صاغته التضحيات والدماء والآلام المتراكمة عبر عقود من الصراع والمواجهة.

إن السيادة ليست خطاباً احتفالياً ولا مفردة بروتوكولية تُستهلك في البيانات الرسمية، بل هي موقف يتجلى حين يُطلب من الدولة أن تحمي أبناءها لا أن تساوم عليهم، وأن تدافع عن حقهم الطبيعي في أرضهم لا أن تدرج أسماءهم في لوائح الإبعاد والإقصاء إرضاءً لمحتل يتوسع في عدوانه ويطمح إلى إعادة هندسة الواقع الديموغرافي والسياسي بما يخدم مشروعه التوسعي.

لهذا يكتسب موقف بري دلالة تتجاوز الاصطفافات السياسية التقليدية، لأنه أعاد تثبيت قاعدة بديهية حاول البعض العبث بها: أن الأرض لأهلها، وأن الانتماء إليها ليس منحة من سلطة ولا امتيازاً تمنحه قوة أجنبية، بل حق أصيل ومتجذر في التاريخ والوجدان والهوية.

أما القبول باقتلاع أبناء الأرض من أرضهم، فلا يمكن توصيفه بوصفه تسوية أو حلاً أو إجراءً أمنياً، بل هو انحدار إلى منطق الاستتباع الكامل، حيث تتحول السلطة من موقع الحارس للسيادة إلى موقع الساعي لنيل الرضا من المحتل، ولو كان الثمن المساس بأقدس ما تملكه الأمم: أرضها وأهلها وكرامتها الوطنية.

فالأوطان لا تسقط يوم تُحتل جغرافياً فحسب، بل يوم تنشأ فيها سلطات تقبل أن تتفاوض باسم المحتل على أصحاب الأرض، وأن تتعامل مع الجذور الراسخة في التراب كأنها عبء ينبغي اقتلاعه. وعند تلك اللحظة لا يكون الخطر على حدود وطن فقط، بل على معنى الوطن نفسه ..

"عباس المعلم " كاتب سياسي