”الأمة الواحدة بين السيادة والتبعية: حين يتوحد الصف في وجه المحتل الغاصب، تتحول الأمة إلى مشروع قوة لا مشروع تبعية."
في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتزاحم فيه المشاريع الإقليمية والدولية على رسم خرائط النفوذ والمصالح من قبل قوى الشر والقطب الأحادي، تبرز الحاجة إلى استعادة معنى الأمة الواحدة؛ لا بوصفه شعارا عاطفيا عابرا، بل باعتباره رؤية تقوم على التضامن والتكامل وصون السيادة والحقوق المشروعة للشعوب. فالأمم الحية لا تقاس بما تملك من ثروات فحسب، بل بما تمتلكه من إدارة وقدرة على حماية مصالحها والدفاع عن استقلال قرارها. وفي خضم عالم تتصارع فيه الإرادات وتتشابك فيه الأطماع، يبقى السؤال الجوهري: كيف تحافظ الشعوب على كرامتها وسيادتها دون أن تفقد وحدتها أو تتنازل عن ذرة من ترابها؟
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الأخيرة صراعات عاصفة واختبارات قاسية، دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مفاهيم القوة والتحالف والاستقلال. ويرى جماهير أنصار محور المقاومة الذين أضحت أعدادهم في تزايد مستمر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استطاعت أن ترسخ حضورها الإقليمي عبر سياسة قائمة على الصبر الاستراتيجي والحكمة والحنكة السياسية وبناء القدرات الذاتية، وأنها حقا قد تحولت إلى أحد أبرز الفاعلين في معادلات المنطقة رغم الضغوط والعقوبات الجائرة والتحديات المتراكمة. كما تعتبر قدرتها على الصمود أمام الأزمات التي يخلقها لها أعدائها تعزيزا لمكانتها السياسية والاستراتيجية وترسيخا لحضورها في المشهد الإقليمي وحتى الدولي. كما تنظر جماهير المحور الممانع إلى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وإلى مواقف قوى ممانعة مختلفة في المنطقة، باعتبارها جزءا من مسار سياسي يسعى إلى الدفاع عن الحقوق الوطنية ورفض الهيمنة الاستعمارية الخارجية. ومن هذا المنطلق، فإن فكرة ”الأمة الواحدة" لا تعني إنهاء خصوصيات الدول والشعوب، بل تعني إدراك وحدة المصير أمام التحديات المشتركة، وأن قوة أي شعب من قوة اشقائه، وهذا ينطبق على الأشقاء اللبنانيين خصيصا الصامدين في الجنوب الذين يدفعون الشر التوسعي الصهيوني عن كامل الأمة العربية والإسلامية وحتى المسيحية الشقيقة. وأن استقرار أي وطن يرتبط باستقرار محيطه. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز روابط الأخوة والتعاون بين الملايين من أشراف السوريين وأشقائهم في لبنان وفلسطين وسائر شعوب المنطقة، لتشكيل جبهة واحدة تكون بمثابة قلعة فولاذية منيعة وشوكة جارحة في حلق حكومة الورم السرطاني الذي أصاب المنطقة منذ الوعد المشؤوم.
فالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة تفرض البحث عن مساحات التفاهم والتكامل بدل الإنقسام والتنازع. كما أن الحفاظ على وحدة المجتمع السوري وتماسكه يظل ركيزة أساسية لمواجهة التحديات وصون المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار.
إن قوة الشعوب لا تبنى على الفتن والتفرقة التي يزرعها أصحاب المخطط الصهيو_ أمريكي بل على الوعي والوحدة والعمل المشترك. وكلما ارتفع مؤشر التعاون والتآخي بين أبناء المنطقة، ازدادات قدراتهم على حماية أوطانهم ومتانة استقرارهم وتحقيق تطلعاتهم المشروعة. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم المتلاحمة أقدر على تجاوز المحن، وأن الإنقسام غالبا ما يفتح أبواب الضعف والتدخلات الخارجية.
إن الأمة التي تؤمن بحقها في السيادة والكرامة، لا تلهث وتركض خلف قطارات التبعية والانبطاح، ولا ترهن مستقبلها لإرادة القوى الطامعة. فالوحدة ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل مشروعا حضاريا يحتاج إلى وعي وصبر وعمل متواصل. وبين منطق الاستقلال ومنطق الارتهان، يبقى الرهان الحقيقي على الشعوب وقدرتها على التكاتف والتضامن وصناعة مستقبلها بإرادتها الحرة، لأن الأمم القوية تبنى بالثقة والتعاون لا بالخضوع والخنوع لسياسة المستعمر.
وإذا اختلفت الاجتهادات وتباينت الرؤى فإن الحكمة تقتضي عدم الغفلة عن التحديات الكبرى التي تواجه دول وشعوب المنطقة، وعن معاناة الأبرياء والمدنيين في بؤر الصراع المختلفة. فالبصيرة السياسية الرشيدة لا تنشغل بالهوامش عن الجواهر، ولا تسمح للخلافات الثانوية أن تحجب الأولويات الكبرى المتعلقة بالأمن والاستقرار والحقوق المشروعة للشعوب.
ولتتجه الأنظار إلى مواضع الخطر الحقيقية، ولتتحد الجهود حيث تتلاقى المصالح والحقوق، ولتترسخ جسور الإخوة والتعاون بين أبناء المنطقة، خصيصا الأشراف والوطنيين من أبناء الشعب السوري مع أشقائهم المناضلين المرابطين في جنوب الفخر والشهامة. الجنوب اللبناني الشامخ. فالعدو الصهيوني واحد. واليوم يمد أذرعه الأخطبوطية إلى الجنوب وغدا إلى دمشق.
فالأمم لا تنهض بالتنازع بل بالتآخي وبالتآزر، ولا تبني مجدها بالتشظي والإنقسام بل بالتكاتف والتلاحم ونبذ الخلافات إن وجدت. ولا تصنع مستقبلها بالخصومات العقيمة بل بوحدة الكلمة وصلابة الموقف وسداد الرؤية. وعندما تدرك الشعوب أن أمنها مترابط، وأن استقرارها متكامل، وأن كرامتها لا تتجزأ، وهذه ”رسالة للسوريين تحديدا" تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وصون أوطانها، وحماية مقدراتها ورسم مستقبلها بإرادتها الحرة، بعيدا عن الإنشقاق والارتهان والتبعية. وحين تشتد العواصف، لا ينجو إلا من يملك وعيا يحول الارتباك إلى بوصلة، والضغط إلى قدرة على البقاء. وعندها فقط تكتب ملامح الغد بيد داخلية لا تستعار، وبقرار لا يملى من خارج الحدود.
كاتب دمشقي حر خارج الوطن.