✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
في تطورٍ سياسيٍ لافت، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية تم توقيعها باللغتين الفارسية والإنجليزية، في خطوة تعكس الطابع الرسمي والملزم لهذه الوثيقة التي رسمت خارطة طريق شاملة لإنهاء المواجهة العسكرية وفتح صفحة جديدة من التفاهمات السياسية والاقتصادية.
وقد نشر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نص المذكرة كاملة، لتكشف عن مجموعة من البنود التي يمكن اعتبارها من أهم التحولات في العلاقة بين البلدين منذ عقود طويلة من التوتر والصراع والعقوبات والتهديدات المتبادلة.
إن المتأمل في بنود المذكرة يلاحظ أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دخلت المفاوضات من موقع القوة والثبات، لا من موقع الضعف أو الاستسلام.
فبعد سنوات من الحصار والعقوبات والحروب غير المباشرة والضغوط السياسية والعسكرية، نجد أن الوثيقة تتحدث عن وقف دائم للعمليات العسكرية، ورفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والسماح بتصدير النفط الإيراني، ورفع القيود المالية والمصرفية، إضافة إلى خطة تنموية وإعمارية ضخمة تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار.
كما تؤكد المذكرة على احترام سيادة إيران وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يمثل اعترافًا واضحًا بحق الجمهورية الإسلامية في الاستقلال السياسي ورفض الوصاية الخارجية التي طالما سعت القوى الغربية إلى فرضها على دول المنطقة.
وفي الجانب العسكري والأمني، نصت الوثيقة على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، وعدم اللجوء مستقبلًا إلى القوة أو التهديد بها، وهو ما يكشف حجم التحولات التي فرضتها معادلات الردع الجديدة التي صنعتها قوى المقاومة خلال السنوات الماضية.
أما في الملف النووي، فقد أكدت إيران مجددًا أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، مع الاحتفاظ بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية ضمن إطار يتم الاتفاق عليه لاحقًا، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو موقف طالما أعلنت عنه طهران وثبتت عليه رغم حملات التشويه والاتهامات الغربية المستمرة.
إن ما يلفت الانتباه في هذه المذكرة هو أن كثيرًا من البنود التي كانت واشنطن ترفض مجرد مناقشتها أصبحت اليوم جزءًا من وثيقة تفاهم رسمية، الأمر الذي يعكس فشل سياسة الضغوط القصوى، وسقوط رهانات الإخضاع بالقوة، وانتصار منطق الصمود والثبات والإرادة المستقلة.
لقد أثبتت الأحداث أن الشعوب الحرة والدول المتمسكة بحقوقها وسيادتها قادرة على فرض معادلات جديدة مهما بلغت قوة خصومها، وأن سنوات الحصار والعقوبات لم تنجح في كسر إرادة الشعب الإيراني أو إجباره على التنازل عن حقوقه وثوابته الوطنية.
وكما أكد الشهيد القائد رضوان الله عليه أن أمريكا لا تفهم إلا لغة القوة والصمود، فإن ما نشهده اليوم يمثل دليلاً جديداً على أن الثبات في الموقف والاعتماد على الله وبناء عناصر القوة الذاتية هو الطريق الأنجح لانتزاع الحقوق وإفشال مخططات الهيمنة والاستكبار.
وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة، تبقى هذه المذكرة محطة مهمة تستحق المتابعة والقراءة المتأنية، ليس فقط لما تتضمنه من بنود سياسية واقتصادية وأمنية، بل لأنها تعكس تحولات أوسع في موازين القوى الإقليمية والدولية، وتؤكد أن زمن الإملاءات الأحادية لم يعد كما كان، وأن إرادة الشعوب الحرة قادرة بقوة الله على صناعة مستقبلها مهما كانت التحديات.