كتب : موسى عبّاس
ما تفعله الحكومة اللبنانية اليوم لم يعد يُوصف بالعجز أو الفشل. هذا ليس مجرد سوء إدارة. هذا مشروع تصفية ممنهج لما تبقى من كرامة البلد، بل خيانة الأرض نفسها، يُنفَّذ بيد سلطة ارتضت أن تكون أداة لتمرير الإملاءات الخارجية، عربية كانت أم أجنبية.
—تنازلات لا تنتهي وخضوع مذل:
منذ تشكيلها، والحكومة تلهث خلف إرضاء السفارات ومراكز القرار الخارجي. كل بيان، كل قرار، كل موقف، يُقاس بميزان "ماذا سيقول الخارج؟". فبدل أن تدافع عن الأرض والشعب، ترى السلطة أن دورها هو ضبط إيقاع الداخل ليتناغم مع ما يُملى عليها من عواصم لا يعنيها من لبنان إلا موقعه الجغرافي ومشروعه السياسي.
التنازلات لم تعد سراً. ملفات الحدود، الملف الاقتصادي، ملف السلاح، كلها تُعرض على طاولة المساومة دون أي مقابل ولا حتى قرض هنا، أو تغطية سياسية هناك. والنتيجة؟ عدوّ يستبِد ويرتكب أفظع المجازر يوميّاً وبعلنها جهاراً لن نوقف إطلاق النار ولن ننسحب،وهكذا بات لبنان دولة بلا قرار سوى قرار الاستمرار بالانبطاح والتخاذل، وشعب بلا حماية إلّا من مقاومين ما ملّوا وما كلّوا يجسّدون بتضحياتهم وشهادتهم أرقى وأسمى معاني الوفاء والعطاء،يتسابقون للذَود عن تراب الوطن كما تسابق أهل بيت الإمام الحسين(ع) وأصحابه في كربلاء يقارعون أهل الظلام لإحقاق الحق وقهر الباطل.
—تخلٍّ عن الوظيفة الأولى للدولة:
الوجه الأقبح لهذا الخضوع ظهر في الداخل. بدل مواجهة العدو، اتجهت السلطة لمحاصرة المقاومة: اعتقال المقاومين، منع وصول السلاح، وقطع أي دعم مادي أو لوجستي.
ولم يقف الأمر هنا. البيئة التي قدّمت آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الأيتام تُحاصَر مالياً، يُمنع عنها وصول المساعدات، ويُضيّق عليها إعلامياً ومعنوياً. استُغِلّت أوضاع التهجير والنزوح والفقر لتكثيف الضغط فلم يتورّع ما يُسمى بًوزير العدل عن تقديم شكوى ضد المؤسسة التي تساعد الفقراء وتحفظ مدخراتهم وتحتضن أسر الشهداء مُتُهماً إيّاها بأنها خارجة عن القانون وأنّها تُمَوّل الإرهاب ،أمّا من سرقوا أموال المودعين جهاراً نهاراً يحميهم القانون ،والهدف كسر ظهر من صمد وحمى المقاومة حين تآمر أركان السلطة والمتصهينين عليها بكل وقاحة ودون خجل، لدرجة أنّ قادة الصهاينة باتوا يسخرون منهم.
الأخطر أن انعدام حس الوطنية عند بعض المسؤولين، وتواطؤ أجزاء من بيئات شعبية أخرى، حوّل الأزمة إلى فتنة اجتماعية ،استغلال حاجة الناس في الإيجارات، ورفض وجود المهجّرين في بعض المناطق ،كلُّها عوامل تعمّق الشرخ بين اللبنانيين وتحوِّل الكارثة الوطنية إلى عداوات داخلية.
هذا قلب للأولويات، وخيانة للنص الدستوري الذي قام على فكرة التحرير والاستقلال. عندما تتحوّل الدولة من حامية إلى خصم دون أي وجه حق تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية معاً ووجب إسقاطها.
—الطريق إلى الخراب مفتوح:
الرهان على أن "التفاوض تحت النار" سيجلب الاستقرار وَهْمٌ قاتل،كلّ تنازل اليوم يُفهم كضعف، وكلّ ضعف يستدعي طلباً جديداً فكيف إذا كان التنازل عن الكرامة الوطنيّة، فما يبدأ بالملف الأمني سينتهي بالملف السياسي، ثم بالكيان نفسه، وهل هناك سُلطة أشد وقاحةً من تلك التي تُصِر على التفاوض فوق أشلاء النساء والأطفال.
إذا استمرّت الحكومة على نهجها الخياني فانّها تسير بلبنان نحو سيناريو التفكك الناعم: كيانات متناحرة، سلطة شكلية، ووصاية خارجية معلنة. وعندها لن تجد دولة اسمها لبنان، بل مزارع طائفية ومذهبية يتقاسمها المُتدَخِلون، وتُدار من خارج حدودها.
ما يجري ليس حياداً ولا حكمة. إنه خضوع. والخضوع لا ينتج دولة، بل ينتج خراباً، وشرخاً لا يُرمَم بين أبناء الوطن الواحد.
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى من باعها في لحظة المحنة. وإذا استمرت الحكومة على هذا النهج، فهي لا تحكم لبنان اليوم، بل توقّع شهادة وفاته غداً.