عبد الحميد كناكري خوجة: التشدد إلى تشتت...وأرباب الإرهاب إلى سراب.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: التشدد إلى تشتت...وأرباب الإرهاب إلى سراب.

رغبة مني بتطويع ريشتي لحماية ديننا الإسلامي من التوظيف السياسي التخريبي المتمثل بفكر عقيم شمولي انغماسي ترعرع في أحضان وزارة المستعمرات البريطانية وتبنته من بعدها حكومتي الطاغوت الأكبر والأصغر وبدعم مالي كبير من بعض أصحاب الكراسي المرصعة والأبراج الشاهقة الموصوفين قرآنيا بالأشد نفاقا. إيمانا منهم أن عدوهم فقط هو جميع دول الصمود والممانعة والمحور والتصدي للمخططات الصهيو_أمريكية إستعمارية. لقد أدرك العالم أن تلك الحكومات لن ترضى عن كل من يواجه ويجابه العدو المغتصب للمقدسات الإسلامية في القدس والمسجد الأقصى وسائر التراب الفلسطيني المبارك. فبين تفكك الخطاب المتطرف وتهاوي رهانات العنف وانحسار واندثار الفكر الدموي الذي يتستر بعباءة الإسلام وهو العدو الأول للمسلمين وللإسلام الوسطي الحنيف. وحين يتبدد غبار التشدد والتطرف الأعمى وتنكشف حقيقة الإرهاب كأداة للهدم لا البناء وللفرقة لا الوفاق، تبقى وحدة الأوطان وتماسك الدول وحصانة الوعي السد المنيع في وجه مشاريع الفتنة والتفتيت وأوهام الخراب.

ليس كل من رفع راية الدين خادما للدين، وليس كل من أكثر من التكبير مشروعه التحرير. فالتاريخ يروي، والوقائع تتراكم، والقراءة الجينالوجية لمسارات المنطقة تكشف_في نظر كثير من الباحثين، والمراقبين، أن جماعات متشددة إدعت احتكار الحقيقة المطلقة تحولت في محطات عديدة إلى أدوات مأجورة داخل صراعات جيوسياسية معقدة، حركت فوق رقعة الشرق كما تحرك أحجار الشطرنج فوق ألواح المصالح والنفوذ. ومع اتساع دائرة الوعي الجمعي، بدأت جماهير عربية وإسلامية واسعة تعيد النظر في سرديات طالما قدمت بوصفها مسلمات لا تقبل النقاش. فبرزت تساؤلات جوهرية: كيف تحولت فوهات البنادق من مواجهة المحتل الى استنزاف الأوطان؟ وكيف غدت الجيوش الوطنية والمؤسسات العامة أهدافا مباشرة لتلك العصابات، بينما بقيت قضايا التحرر الكبرى أسيرة الشعارات والخطابات؟ ومن منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي، يرى بعين منتقدو هذا التيار أن الإشكالية لم تكن في التدين ذاته، بل في تحويله إلى منظومة دوغمائية مغلقة، تقصي المخالف، وتختزل الإيمان في قوالب جامدة، وتستبدل مقاصد الرحمة بمنطق الإدانة، وثقافة الحوار بثقافة المصادرة. وهكذا جرى إنتاج باراديغم متشدد استثمر سياسيا في ساحات مضطربة، فكانت النتيجة موجات من التفكك و الاستنزاف أصابت أكثر من دولة عربية وإسلامية. لقد شهدت المنطقة نماذج مؤلمة من الفوضى والاقتتال والإنهيار المؤسسي حيث دفعت مجتمعات بأكملها جلها بريئة، أثمانا باهضة، بسبب فتاوى ما يطلق عليهم مشايخ الناتو وهذا الفكر الذي أصبح الخطر الأعظم على الأمة الإسلامية وعلى السلم العالمي. ونتيجة صعود جماعات أشبه بقطعان المستوطنين من حيث الذقون والشعور الطويلة والصيحات والجعرات_ تبنت هذه القطعان العنف وسيلة، والتكفير منهجا، والإقصاء عقيدة. وفي خضم تلك الأحداث، لاحظ كثيرون مفارقة لافتة: فبينما كانت الأراضي الفلسطينية تتعرض للإحتلال ولأقصى أنواع الإجرام، وكانت جبهات الصراع المفتوحة تستدعي كل طاقة مقاومة، انشغلت تلك التنظيمات بمعارك داخلية أفضت إلى مزيد من التمزق والتشظي.

ومن هنا برزت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام مقارنة نقدية بين مشاريع المقاومة الوطنية الصادقة التي ترفع شعارات الدفاع عن الأرض والسيادة والكرامة العربية المفقودة، وبين جماعات جعلت من الإحتراب وقطع الأعناق والرقاب بالخناجر والسيوف والحراب وإحلال التدمير والخراب. ساحة نشاطها الأبرز فقط في دول الصمود والتصدي والممانعة والمحور.

وهي مقارنة لا تقوم على الشعارات، بل على حصيلة الأفعال والنتائج والوقائع الميدانية.

كما أن منتقدي هذا الفكر الإرهابي المنحرف يرون أن رموزه انشغلوا بإطلاق أحكام التخوين والتكفير ضد خصومهم المدافعين عن المسجد الأقصى وفلسطين ولبنان والقضايا التحررية، دون أدنى انشغال بما يفعله العدو الصهيوني ضد أشقائهم في فلسطين وجنوبي سورية ولبنان ولم تشغلهم خطورة التحديات المصيرية للأمة. ومع مرور الزمن أخذت تلك الخطابات تفقد بريقها أمام جمهور بات أكثر قدرة على التمييز بين الدعوة الصادقة والبروباغندا المؤدلجة، وبين الوعي والبهرجة وبين التحرير والتدمير.

إن الرسالة الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم وأنبياء الشفقة قامت على الرحمة والعدل والوسطية وصيانة الكرامة الإنسانية، لا على نشر الرعب ولا على تمزيق المجتمعات والتآمر على جيوش الأوطان بالتعاون مع القوى الاستعمارية. ولا على تحويل الاختلاف إلى مبرر للعداء الدائم. ولذلك فإن كل قراءة تفضي إلى استباحة الدماء. أو تأييد الفتن تصطدم بإشكالات معرفية وأخلاقية عميقة. واليوم، ومع تراكم الخبرات وانكشاف كثير من الحقائق، يبدو أن زمن التسليم الأعمى يتراجع أمام زمن السؤال والنقد والمراجعة. فالأوطان لا تبنى بالتكفير، ولا تحمى بالفوضى، ولا تصان بالتعصب الذي يودي إلى التطرف، بل بالوعي والعدالة والوحدة الوطنية ولنا في الشعوب التي تتماسك أمام التحديات حول ثوابتها الوطنية أمثلة عديدة تستحق التأمل كشعب الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا الشعب العظيم الذي التف حول قيادته الرشيدة وتلاحم مع جيشه ولم يقع في شرك وفخ حكومتي الهيمنة والعدوان والإستكبار ويحول بلده إلى خراب كما فعلت بعض الشعوب في ما يسمى الربيع العربي الذي تم من خلاله الإجهاز على جيوشها وإعادتها عشرات السنين إلى الوراء، فلا بد لنا من زيادة جرعات التوعية والإرشاد من مخاطر هذا الفكر المتطرف الدموي.

وحين يستيقظ العقل الجمعي من ضباب التضليل، تتشتت دوائر التشدد، وتذبل أوهام الغلو، ويدرك الناس أن مستقبل الأمم تصنعه الحكمة والبصيرة، لا صخب التطرف ولا أباطيل الإرهاب؛ وعندها فقط يكون لأرباب الفتنة تصفير وتسفير واقتلاع جذور وزوال وغياب.

كاتب سوري حر مغترب.