”من مفارقة المواقف وانتقائية البصر. حين تدان مقاومة تواجه الغطرسة والهيمنة والعدوان، ويغض الطرف عن منظومة احتلال تمارس القتل والتهجير تحت سمع العالم وبصره."
”واشتعل الرأس شيبا" هنا ليس تعبير عن العمر كما ورد في كتاب الله القرآن الكريم، بل عن حالة من الاستغراب والدهشة الفكرية أمام مفارقة صارخة في بعض الخطابات السياسية والإعلامية. تجعل المتابع يتساءل: كيف يمكن لمن يرفع شعار الدفاع عن القيم والمقدسات أن يبدي حساسية مفرطة تجاه ردود أفعال قوى المقاومة، بينما يمر مرورا خافتا أو صامتا أمام مشاهد العدوان الإجرامي على اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين في جنوبهم المحتل، وغيرهم من شعوب المنطقة؟
في التحليل السياسي، تعرف هذه الظاهرة ب”انتقائية الإدراك" حيث يتم التركيز على طرف معين في الصراع ويتم تضخيم أفعاله، بينما تهمش أو تبرر أفعال الطرف الأخر رغم جسامتها.
وهنا يظهر سؤال جوهري: لماذا تختزل القضية أحيانا في ردود أفعال الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفائها، بينما يتم تجاوز السياق الأكبر المتعلق بالاحتلال والصراع التاريخي في المنطقة؟
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفق خطابها المعلن، قدمت نفسها كفاعل إقليمي داعم لمحور المقاومة يعتبر أن أولويته هي مواجهة النفوذ الاسرائيلي في المنطقة. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الطرح، وإن تجاهله بالكامل في التحليل يؤدي إلى قراءة منقوصة للواقع.
والتفاعلات العسكرية والسياسية لا تنشأ في فراغ، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الصراع والتوترات والاصطفافات.
في المقابل، يلفت الانتباه أن بعض الأصوات تركز بشكل شبه كامل على إدانة طهران أو حركات المقاومة القانونية العادلة والمشروعة، حتى في سياق ردودها على هجمات أو اعتداءات تنسب إلى الكيان الصهيوني المارق، بينما يتم التغاضي عن مشاهد الخراب والدمار في قطاع غزة والجنوب اللبناني، والعمليات العدوانية السافرة من قبل سلطات الاحتلال، وكذلك الاعتداءات المتكررة على الجنوب السوري المحتل.
ووفقا لتقارير دولية متعددة. هذا الاختلال في زاوية الرؤية يخلق انطباعا بأن ميزان التعاطف أو الإدانة ليس قائما على مبدأ واحد، بل على انتقاء مسبق للوقائع.
من الناحية الفلسفية، يمكن وصف هذا السلوك بأنه انفصال بين ” الأخلاق المعلنة" و”الخيارات السياسية العملية" حيث تتحول بعض المواقف إلى أدوات اصطفاف لا إلى أدوات تقييم موضوعي.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليس في الاختلاف السياسي ذاته، بل في ازدواجية المعايير التي تفقد الخطاب مصداقيته.
إن قراءة المشاهد بإنصاف تتطلب شجاعة في النظر إلى الصورة كاملة، لا إلى جزء منها فقط.
والقضية ليست في تأييد طرف أو معارضة طرف آخر، بل في القدرة على رؤية السياق الأوسع للصراع دون انتقائية تشوه الحقيقة. وعندما يعاد ضبط البوصلة على أساس الميزان والمعيار الواحد، يصبح النقاش أكثر اتزانا، ويغدو فهم المنطقة أقل ضجيجا وأكثر قربا من جوهر الواقع المعقد الذي تعيشه. فالحقيقة لا تتجزأ، والعدالة لا تكال بمكيالين، والحق لا يتبدل بتبدل الرايات، والإنصاف لا يعرف الاصطفافات، وحين تتواجد المعايير يستعيد العقل اتزانه ويسترد الضمير الإنساني اعتباره.
كاتب محلل سياسي ومستشار إعلامي سوري سابق مقيم في الغربة.