كتب: موسى عبّاس
في تصريحٍ ينمُّ عن قمةِ الوقاحةِ الاستعمارية، خاطب السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، مايك هاكابي، قوى المقاومة قائلاً:
"They have to go to the mother ship".
ولمِثلِ هؤلاءِ نردُّ بلسانِ الحقِّ والحقيقةِ وبصوتٍ لا يرتجف وبلُغتِهِم:
"You and the Zionists must return to your original homelands; where you currently reside is neither your country nor your land”.
إن هذه التصريحات لا تمثل مُجرّد سقطة دبلوماسية، بل هي تجسيد صريح لعقلية استعلائية مريضة تعْتَنقُها الإدارات الأمريكية ومُمَثلوها، لا سِيّما في دول مثل لبنان والعراق، حيث يتصرفون وكأنهم أوصياء على شعوب المنطقة، ينظرون إلى البشر بدونية مقيتة، ويعتقدون واهمين أن أرضَ العَرب مشاعٌ لمشاريعهم.
*فَاقِدُ الْأَرْضِ لَا يُعْطِيهَا*
قَبْلَ أَنْ يُوَزِّعَ هَذَا السَّفِيرُ تَذَاكِرَ الْعَوْدَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَرْضِ الْأَصْلِيِّينَ، حَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي مِرْآةِ التَّارِيخِ الْأَسْوَدِ لِبِلَادِهِ. إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ اسْمَ "أَمْرِيكَا" لَمْ تَكُنْ يَوْماً أَرْضَهُمْ، وَلَا أَرْضَ أَجْدَادِ أَجْدَادِهِمْ. هِيَ قَارَّةٌ سُرِقَتْ بِقُوَّةِ الْمَدَافِعِ وَالْبَنَادِقِ، وَشُيِّدَتْ حَضَارَتُهَا الْمَزْعُومَةُ عَلَى جَمَاجِمِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مِلْيُونٍ مِنَ السُّكَّانِ الْأَصْلِيِّينَ الَّذِينَ أَبَادُوهُمْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ أَبْشَعِ الْجَرَائِمِ الدَّمَوِيَّةِ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ.
لِذَا، فَإِنَّ الرَّدَّ الطَّبِيعِيَّ وَالْمَنْطِقِيَّ عَلَى أَمْرِيكَا وَكُلِّ الْعَالَمِ الْمُتَوَاطِئِ هُوَ:
عَلَى الْغُزَاةِ أَنْ يَعُودُوا مِنْ حَيْثُ جَاؤُوا. عَلَى مَنِ اغْتَصَبَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ، مِنْ عِصَابَاتِ الْقَتَلَةِ وَالسَّفَّاحِينَ وَالْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ يَحْمِيهِمُ الْغَرْبُ، أَنْ يَحْزِمُوا حَقَائِبَهُمْ وَيَرْحَلُوا إِلَى أَصْقَاعِ أُورُوبَّا وَبَاقِي الْبِلَادِ الَّتِي لَفَظَتْهُمْ. فِلَسْطِينُ لَمْ وَلَنْ تَكُونَ يَوْماً بِلَادَهُمْ، هِيَ بِلَادُنَا، أَرْضُنَا، تَارِيخُنَا، عِزُّنَا، وَكَرَامَتُنَا، وَلَنْ نُفَرِّطَ بِحَبَّةِ تُرَابٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَهْمَا تَعَاظَمَ جَبَرُوتُ سِلَاحِهِمْ وَاسْتَطَالَ بَغْيُهُمْ.
*التَّارِيخُ لَا يَرْحَمُ الْكِيَانَاتِ اللَّقِيطَةَ*
إِنَّ هَذَا الْكِيَانَ الْغَاصِبَ، مَهْمَا طَالَ أَمَدُ احْتِلَالِهِ، مَحْكُومٌ بِالزَّوَالِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ أُمْنِيَّاتٍ عَاطِفِيَّةً، بَلْ هِيَ حَتْمِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَوَعْدٌ إِلَهِيٌّ لَا يُخْلَفُ. لَقَدْ وَطِئَتْ أَقْدَامُ الصَّلِيبِيِّينَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ، وَعَاثُوا فِيهَا فَسَاداً وَدَمَاراً لِمَا يُقَارِبُ الْمِائَتَيْ عَامٍ، وَلَكِنْ مَا كَانَتْ نِهَايَتُهُمْ؟ طُرِدُوا شَرَّ طَرْدَةٍ، وَعَادُوا يَجُرُّونَ أَذْيَالَ الْخَيْبَةِ وَالْهَزِيمَةِ. إِنَّ عُرُوشَ الطُّغْيَانِ تَنْهَارُ مَهْمَا بَلَغَتْ ذُرْوَةَ قُوَّتِهَا، وَهَذَا هُوَ دَيْدَنُ التَّارِيخِ الَّذِي يَجْهَلُهُ وُكَلَاءُ الِاسْتِعْمَارِ الْحَدِيثِ.
*إِمْبِرَاطُورِيَّاتٌ تَتَهَاوَى.. وَمَسْؤُولُونَ مُتَوَاطِئُونَ*
إِنَّ أَسْوَأَ مَا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ لَيْسَ وَقَاحَةَ الْمُحْتَلِّ أَوِ السَّفِيرِ، بَلْ خُنُوعُ بَعْضِ مَسْؤُولِينَا. فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى هَامَاتٍ وَطَنِيَّةٍ وَقَادَةٍ سِيَادِيِّينَ حَقِيقِيِّينَ مِنْ طِينَةِ اللبناني الرَّئِيسِ الْأَسْبَقِ إِمِيل لَحُّود وَرَئِيسِ وُزَرَائِهِ المرحوم الدُّكْتُور سَلِيم الْحُصّ، أَوْ حَتَّى قَادَةٍ دُوَلِيِّينَ يَمْتَلِكُونَ شَجَاعَةَ قَوْلِ الْحَقِّ كَقِيَادَاتِ إِيطَالِيَا وَالْبَرَازِيلِ الْيَوْمَ؛ نُبْتَلَى بِصَمْتِ حُكَّامٍ عَرَبٍ جُبَنَاءَ لَا يَجْرُؤُونَ عَلَى رَفْعِ أَعْيُنِهِمْ فِي وَجْهِ أَصْغَرِ مُوَظَّفٍ أَمْرِيكِيٍّ. وَالْأَدْهَى مِنْ ذَلِكَ، هُوَ وُجُودُ مَسْؤُولِينَ فِي مَوَاقِعِ الْقَرَارِ اللُّبْنَانِيِّ والفلسطيني يُبَرِّرُونَ بِصَمْتِهِمْ أَوْ تَصْرِيحَاتِهِمُ الْغبيّة المُتخاذِلة، مَجَازِرَ الصَّهَايِنَةِ وَتَدْمِيرَهُمُ الْمُمَنْهَجَ لِبُيُوتِ الْآمِنِينَ في فلسطين ولبنان.
إِنَّ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةَ الْأَمْرِيكِيَّةَ الْمُسْتَكْبِرَةَ الَّتِي تَقِفُ خَلْفَ هَذَا الْكِيَانِ، وَالَّتِي تَجَرَّعَتْ مَرَارَةَ الْهَزِيمَةِ عَلَى أَعْتَابِ بَيْرُوتَ فِي الْعَامِ 1984، وَهَا هِيَ هَزَائِمُهَا تَتَوَالَى الْيَوْمَ مِنْ مَضِيقِ هُرْمُزَ إِلَى أَرْجَاءِ الْمِنْطَقَةِ، سَتَتَهَاوَى يَوْماً كَمَا تَهَاوَتْ إِمْبِرَاطُورِيَّةُ أَجْدَادِهِمُ الْبِرِيطَانِيِّينَ عَلَى ضِفَافِ قَنَاةِ السُّوَيْسِ وَعَلَى أَعْتَابِ الْهِنْدِ.
وَلْيَعْلَمْ كُلُّ سَفِيرٍ وَقِحٍ وَكُلُّ مَسْؤُولٍ مُتَخَاذِلٍ:
لَكُمْ فِي التَّارِيخِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ خَيْرُ وَاعِظٍ.. وَالْمُقَاوَمَةُ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ وَبَلَغَتِ التَّضْحِيَاتُ، هِيَ الْكَفِيلَةُ بِطَرْدِ الِاحْتِلَالِ، وَتَأْدِيبِ الْغُزَاةِ، وَإِعَادَةِ كِتَابَةِ التَّارِيخِ بِأَحْرُفٍ مِنْ سِيَادَةٍ وَكَرَامَةٍ.