بين نَيَاشِينِ «الإِبَادَةِ» وَعَارِ «التَّبَعِيَّةِ»: قِرَاءَةٌ فِي تَقْرِيرِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ عن
مقالات
بين نَيَاشِينِ «الإِبَادَةِ» وَعَارِ «التَّبَعِيَّةِ»: قِرَاءَةٌ فِي تَقْرِيرِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ عن "غزّة" وَتَحَوُّلَاتِ الإِقْلِيمِ.
موسى عباس
24 حزيران 2026 , 23:05 م

كتب: موسى عبّاس

لَمْ يَعُدِ الصِّرَاعُ فِي المِنْطَقَةِ مُوَاجَهَةً عَسْكَرِيَّةً مَحْصُورَةً فِي ميْدَانِ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى مَعْرَكَةٍ وُجُودِيَّةٍ تَتَمَايَزُ فِيهَا الصُّفُوفُ وَتَتَسَاقَطُ مَعَهَا الأَقْنِعَة... وَلَمْ يَكُنِ التَّقْرِيرُ الأَخِيرُ الصَّادِرُ عَنِ «لَجْنَةِ التَّحْقِيقِ الأُمَمِيَّةِ المَعْنِيَّةِ بِالأَرَاضِي الفِلَسْطِينِيَّةِ المُحْتَلَّةِ» مُجَرَّدَ وَثِيقَةٍ حُقُوقِيَّةٍ تُضَافُ إِلَى أَرْشِيفِ الإِدَانَاتِ، بَلْ جَاءَ بِمَثَابَةِ "شَهَادَةِ وَفَاةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ" لِلْمَنْظُومَةِ الدَّوْلِيَّةِ، وَفِي الوَقْتِ ذَاتِهِ،"مِرْآةً كَاشِفَةً" لِحَجْمِ التَّوَاطُؤِ الإِقْلِيمِيِّ وَالدَّوْلِيِّ.

أَوَّلاً: مَأْسَسَةُ الجَرِيمَةِ.. الطُّفُولَةُ كَهَدَفٍ اسْتْرَاتِيجِيٍّ

حِينَ تَخْلُصُ لَجْنَةٌ أُمَمِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ إِلَى أَنَّ القُوَّاتِ الصِّهْيُونِيَّةَ «تَسْتَهْدِفُ الأَطْفَالَ الفِلَسْطِينِيِّينَ عَمْداً»، وَتَعْتَبِرُ هَذَا السُّلُوكَ رَكِيزَةً لِإِثْبَاتِ «نِيَّةِ الإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ»، فَإِنَّهَا تُخْرِجُ الحَدَثَ مِنْ دَائِرَةِ «الأَخْطَاءِ العَسْكَرِيَّةِ» إِلَى دَائِرَةِ السِّيَاسَةِ المَنْهَجَةِ.

إِنَّ الأَسْئِلَةَ الصَّادِمَةَ الَّتِي طَرَحَهَا عُضْوُ اللَّجْنَةِ، كْرِيسْ سِيدُوتِي، وَاصِفاً جُنُوداً يَتْرُكُونَ طِفْلاً يَنْزِفُ حَتَّى موْتِ، لَمْ تَكُنْ مُوَجَّهَةً لِلْمُجْتَمَعِ الصِّهْيُونِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ إِدَانَةً غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ لِكُلِّ مَنْ يُمِدُّ هَذَا الكِيَانَ الصِّهْيُونِيَّ بِأَسْلِحَةِ القَتْلِ، أَوْ يُوَفِّرُ لَهُ شَبَكَةَ الأَمَانِ السِّيَاسِيِّ، أَوْ يَتَغَاضَى عَنْ صَرَخَاتِ الضَّحَايَا تَحْتَ مُسَمَّيَاتِ «الوَاقِعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ». إِنَّ اسْتِهْدَافَ الطُّفُولَةِ هُوَ اسْتِهْدَافٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَمُحَاوَلَةٌ وَاعِيَةٌ لِكَسْرِ إِرَادَةِ مُجْتَمَعٍ بِأَكْمَلِهِ عَبْرَ صَدَمَاتٍ جَمَاعِيَّةٍ مُمْتَدَّةِ Mَفْعُولِ.

ثَانِياً: الِاخْتِرَاقُ الأَمْنِيُّ وَتَبَدُّلُ الهُوِيَّةِ الإِقْلِيمِيَّةِ

فِي مُقَابِلِ هَذَا التَّوْثِيقِ الدَّوْلِيِّ الفَاضِحِ لِجَرَائِمِ الاحْتِلَالِ، يَبْرُزُ التَّنَاقُضُ الصَّارِخُ فِي المَشْهد الإِقْلِيمِيِّ. فَفِي الوَقْتِ الَّذِي تَتَآكَلُ فِيهِ شَرْعِيَّةُ الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ عَالَمِيّاً، تَنْدَفِعُ قُوَى إِقْلِيمِيَّةٌ، لَاسِيَّمَا بَعْضُ الأَطْرَافِ محْسُوبَةِ عَلَى المَنْظُومَةِ العَرَبِيَّةِ، نَحْوَ تَعْمِيقِ التَّحَالُفِ الأَمْنِيِّ وَالعَسْكَرِيِّ مَعَهُ.

إِنَّ تَحَوُّلَ بَعْضِ العَوَاصِمِ إِلَى مَا يُشْبِهُ «القَوَاعِدَ الأَمْنِيَّةَ» متَقَدِّمَةَ لِأَجْهِزَةِ الاسْتِخْبَارَاتِ الصِّهْيُونِيَّةِ («المُوسَاد») تَحْتَ ذَرِيعَةِ «موَاجَهَةِ النُّفُوذِ الإِيرَانِيِّ»، يُمَثِّلُ انْقِلَاباً بِنْيَوِيّاً فِي مَفْهُومِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ. هَذَا التَّمْوُضُعُ لَا يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ إِلَّا كَـ:

— تَخَلٍّ عَلَنِيٍّ عَنِ الهُوِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ: تَحْوِيلُ بُوصَلَةِ العَدَاءِ مِنْ كِيَانٍ صِهْيُونِيٍّ غَاصِبٍ يَحْتَلُّ الأَرْضَ وَيُهَدِّدُ المِنْطَقَةَ بِرُمَّتِهَا، إِلَى تَصْفِيَةِ حِسَابَاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ تَخْدُمُ أَجْنْدَةَ الهَيْمَنَةِ الغَرْبِيَّةِ.

— فَجْوَةِ شَرْعِيَّةٍ بَيْنَ الأَنْظِمَةِ وَالشُّعُوبِ:

حَيْثُ تَعِيشُ النُّخَبُ الحَاكِمَةُ فِي وَادٍ مِنَ التَّنْسِيقِ الأَمْنِيِّ الحَثِيثِ، بَيْنَمَا تَنْبِضُ الشَّوَارِعُ العَرَبِيَّةُ بِالرَّفْضِ المُطْلَقِ لِهَذَا الِانْدِمَاجِ القَسْرِيِّ مَعَ القَاتِلِ.

ثَالِثاً: الغَرْبُ بَيْنَ عُقْمِ الأَنْظِمَةِ وَوَعْيِ الشُّعُوبِ

أَمَّا عَلَى مقْلَبِ الآخَرِ مِنَ العَالَمِ، فَإِنَّ الدَّعْمَ الأَمْرِيكِيَّ وَالأُورُوبِّيَّ اللَّامُتَنَاهِيَ لِلْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ يُوَاجِهُ اليَوْمَ أَزْمَةً بِنْيَوِيَّةً غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ. نَعَمْ، مَا زَالَتْ غُرَفُ القَرَارِ فِي وَاشِنْطُنَ وَعَوَاصِمِ الغَرْبِ تَتَدَفَّقُ بِالسِّلَاحِ وَالمَالِ وَالِغِطَاءِ الدِّبْلُومَاسِيِّ، لَكِنَّ هَذَا الدَّعْمَ لَمْ يَعُدْ «مَجَّانِيَّ الصَّنْعِ».

إِنَّ "الْوَعْيَ المُتَنَامِيَ" فِي الشَّارِعِ الغَرْبِيِّ، وَبِخَاصَّةٍ بَيْنَ الأَجْيَالِ الشَّابَّةِ وَدَاخِلِ الجَامِعَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ الحُقُوقِيَّةِ، بَدَأَ يَفْرِضُ مُعَادَلَةً جَدِيدَةً:

1. ارْتِفَاعُ الكُلْفَةِ السِّيَاسِيَّةِ: أَصْبَحَ تَبَنِّي الرِّوَايَةِ الصِّهْيُونِيَّةِ عِبْئاً انْتِخَابِيّاً وَأَخْلَاقِيّاً عَلَى النُّخَبِ الغَرْبِيَّةِ.

2. تَغَيُّرُ المُعْجَمِ اللُّغَوِيِّ: سَقَطَتْ سَرْدِيَّةُ «الضَّحِيَّةِ المُسْتَهْدَفَةِ» وَحَلَّتْ مَكَانَهَا مُصْطَلَحَاتُ «التَّمْيِيزِ العُنْصُرِيِّ» وَ«الإِبَادَةِ ألممَنْهَجَةِ» فِي القَامُوسِ الشَّعْبِيِّ الغَرْبِيِّ.

الخُلَاصَةُ وَاسْتِشْرَافُ المُسْتَقْبَلِ

إِنَّ الصِّرَاعَ فِي المِنْطَقَةِ مُقْبِلٌ عَلَى مَرْحَلَةِ اسْتِنْزَافٍ تَارِيخِيَّةٍ. الكِيَانُ الصِّهْيُونِيُّ، وَرَغْمَ تِرْسَانَتِهِ وَتَوَاطُؤِ حُلَفَائِهِ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ، يَفْقِدُ بِالتَّدْرِيجِ أَهَمَّ عَنَاصِرِ بَقَائِهِ: "الشَّرْعِيَّةَ الأَخْلَاقِيَّةَ وَالقَبُولَ الإِقْلِيمِيَّ الحَقِيقِيَّ".

إِنَّ الوَعْيَ العَالَمِيَّ الَّذِي يَتَشَكَّلُ اليَوْمَ بِنَاءً عَلَى تَضْحِيَاتِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ وَبِفِعْلِ تَقَارِيرَ دَوْلِيَّةٍ كَاشِفَةٍ، هُوَ السِّلَاحُ الحَقِيقِيُّ عَلَى المَدَى البَعِيدِ. وَتَبْقَى المَسْؤُولِيَّةُ الكُبْرَى عَلَى عَاتِقِ الأَقْلَامِ الحُرَّةِ وَالقُوَى الحَيَّةِ فِي الأُمَّةِ لِتَعْرِيَةِ خُطُوطِ التَّوَاطُؤِ الأَمْنِيِّ، وَالتَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ مُحَاوَلَاتِ دَمْجِ الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ فِي النَّسِيجِ الإِقْلِيمِيِّ لَنْ تَمُرَّ؛ لِأَنَّ الشُّعُوبَ لَا تَنْسَى، وَالتَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ المُتَوَاطِئِينَ.