د. مهدي مبارك عبد الله
منذ نهاية الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بموقع استثنائي داخل النظام الدولي. لم يكن هذا الموقع قائماً على التفوق العسكري وحده بل السيطرة على البنية التحتية للاقتصاد العالمي نفسه والدولار تحول إلى عملة النظام المالي الدولي وأصبحت المؤسسات المالية وشبكات المدفوعات وسلاسل التجارة العالمية جزءاً من منظومة نفوذ أمريكية واسعة سمحت لواشنطن بممارسة القوة دون الحاجة إلى استخدام الجيوش في كل مرة.
استراتيجية الضغط الأقصى التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران لم تكن مجرد سياسة فرض عقوبات تقليدية بل كانت مشروعاً استراتيجياً متكاملاً سعى إلى إعادة تشكيل سلوك دولة وإعادة تعريف ميزان القوة في إقليم شديد الحساسية حيث راهنت واشنطن على أن الجمع بين الخنق الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية والتهديد العسكري كفيل بإحداث تحول جذري في بنية القرار الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية تمس اعمق خياراتها السيادية غير أن ما حدث على امتداد السنوات اللاحقة كشف عن فجوة عميقة بين التصور النظري لصانع القرار الأمريكي وبين تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الإيراني بل وبين التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي نفسه
اللافت انه مع تراكم النتائج الفعلية لهذه السياسة لم يعد السؤال محصوراً في مدى قدرة العقوبات على إضعاف إيران بل تحول إلى سؤال أعمق يتعلق بحدود القوة الأمريكية ذاتها في بيئة دولية تتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية الأمريكية دفعت إلى إعادة إنتاج منظومات الصمود داخل إيران وفرضت في الوقت نفسه على قوى دولية وإقليمية إلى إعادة حساباتها إزاء جدوى الانخراط في سياسات العزل الاقتصادي
ضمن هذا السياق المتدحرج لم تعد المواجهة تدور حول أداة ضغط بحد ذاتها بل تحول الى اختبار شامل حول قدرة العقوبات بوصفها أداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية في عالم باتت فيه شبكات الاقتصاد والطاقة والتحالفات أكثر تشابكاً وتعقيداً من أن تُحسم عبر أدوات الإكراه التقليدية وحدها
واقعيا لم تنجح استراتيجية الضغط الأقصى التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران في تحقيق أهدافها المعلنة رغم ما رافقها من عقوبات قاسية وضغوط دبلوماسية وتهديدات عسكرية مباشرة فقد قامت هذه الاستراتيجية على تصور بسيط مفاده أن تكثيف الحصار الاقتصادي وعزل إيران دوليا سيؤدي إلى إضعاف بنيتها الداخلية ودفعها إلى تغيير سلوكها السياسي والاستراتيجي غير أن مجريات السنوات الأخيرة كشفت أن هذا التصور لم يكن دقيقا وأنه أغفل طبيعة الدولة الإيرانية وقدرتها على التكيف مع الأزمات وإعادة إنتاج أدوات الصمود
المشكلة المتكررة لم تكن في شدة العقوبات بقدر ما كانت في قراءة واشنطن لطبيعة المجتمع الإيراني ونظامه السياسي فقد افترض صانع القرار الأمريكي أن الضغوط الاقتصادية ستقود إلى انهيار تدريجي في التماسك الداخلي لكن النتيجة جاءت معاكسة إذ نشأت داخل إيران منظومة اقتصادية بديلة اعتمدت على التكيف مع العقوبات وتوسيع قنوات التجارة غير التقليدية وتعزيز الاعتماد على الذات الأمر الذي خفف من أثر الحصار وحوله إلى عامل إعادة تشكيل اقتصادي بدل أن يكون أداة إسقاط سياسي
في السياق الأعمق يمكن القول إن تجربة الضغط الأقصى كشفت أن واشنطن لم تواجه مجرد دولة تحت العقوبات بل واجهت نموذجاً سياسياً واقتصادياً راكم خبرة طويلة في إدارة الحصار بحيث لم يعد الاقتصاد الإيراني يتحرك كرد فعل سلبي مباشر للعقوبات بل كمنظومة تتكيف معها وتعيد توزيع آثارها داخلياً وهو ما أضعف الأثر الصادم للعقوبات وحولها إلى عامل ضغط مستمر بدل أن تكون أداة انهيار سريع كما افترضت الاستراتيجية الأمريكية
التحولات المتواصلة في النظام الدولي لعبت دورا محوريا في إضعاف فاعلية هذه الاستراتيجية فالعالم لم يعد خاضعا لمنطق القطب الواحد كما كان في تسعينيات القرن الماضي بل برزت قوى كبرى وإقليمية رفضت الانخراط الكامل في سياسة العقوبات الأمريكية وعلى رأسها الصين وروسيا إضافة إلى دول أخرى وجدت في استمرار التعاون مع إيران فرصة استراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة والمصالح الجيوسياسية وهذا التعدد في مراكز القوة حد من قدرة واشنطن على فرض عزلة كاملة وأفقد الضغط الأقصى أحد أهم شروط نجاحه
من زاوية بنيوية أوسع إن فشل هذه الاستراتيجية يعكس أزمة في التصور الاستراتيجي الأمريكي ذاته القائم على الاعتقاد بأن القوة الاقتصادية والعسكرية قادرة وحدها على إعادة تشكيل سلوك الدول بينما تكشف التجارب الحديثة أن البيئة الدولية أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً وأن الدول باتت قادرة على بناء شبكات بديلة خارج المنظومة الغربية بما يحد من فعالية أدوات الإكراه التقليدية ويجعل نتائج الضغط أقل قابلية للتوقع وأكثر عرضة للفشل
على النحو ذاته برز العامل الجيوسياسي المرتبط بأمن الطاقة العالمي كعنصر حاسم في إعادة تقييم الموقف فقد أظهرت التطورات المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز أن أي محاولة لتطويق إيران بشكل كامل تحمل في طياتها مخاطر عالية على استقرار الأسواق العالمية للطاقة وهو ما جعل خيار التصعيد الشامل مكلفا ليس فقط لإيران بل للاقتصادات الكبرى أيضا الأمر الذي دفع أطرافا دولية إلى تبني مواقف أكثر حذرا وأقل انخراطا في سياسة الضغط الأمريكي
لعل أحد أبرز الدروس المستخلصة من استمرار الضغوط الامريكية يتمثل في أن استمرار الاعتماد على سياسة الضغط الأقصى قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد حيث دفع الدول المستهدفة إلى تعزيز قدراتها الردعية وتوسيع شراكاتها خارج الإطار الغربي وتسريع البحث عن بدائل اقتصادية ومالية تقلل من قابلية التأثر بالعقوبات وهو ما يعني أن هذه السياسة قد تساهم في بناء بيئة دولية أقل خضوعاً للنفوذ الأمريكي وأكثر ميلاً نحو التعددية الاستراتيجية بدل إعادة إنتاج الهيمنة التقليدية
بعد كل هذه السياسات المتصاعدة تمكنت إيران من تطوير نموذج ردع متعدد الأبعاد لم يقتصر على الجانب العسكري بل شمل أدوات سياسية وأمنية واقتصادية جعلت كلفة المواجهة المباشرة معها مرتفعة للغاية هذا الردع غير المتكافئ منح طهران قدرة على التأثير في محيطها الإقليمي وعلى إدارة الأزمات بطريقة تقلل من فاعلية الضغط الخارجي وتمنع تحويل العقوبات إلى أداة انهيار شامل كما كان مخططا لها
على المستوى الأمريكي الداخلي كشفت التجربة عن تصاعد الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار هذه المواجهة حيث بدأت قطاعات من النخبة الأمريكية في التشكيك بجدوى سياسة الاستنزاف الطويل خصوصا مع تزايد تأثيرها على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي وتراجع القدرة على تحقيق نتائج سياسية واضحة وهو ما خلق حالة من التردد الاستراتيجي داخل دوائر صنع القرار في واشنطن
التجربة أظهرت ايضا أن استخدام العقوبات كأداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية لم يعد يتمتع بالفاعلية المطلقة التي كان يتمتع بها سابقا ووالعالم بات أكثر ترابطا وتعددية وأصبحت الدول تبحث عن مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على النظام المالي الخاضع للهيمنة الأمريكية وهو ما أدى تدريجيا إلى تآكل تأثير العقوبات وإضعاف قدرتها على فرض تغيير سياسي حاسم
بناء على هذه المعطيات يمكن القول إن استراتيجية الضغط الأقصى لم تفشل فقط في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في تغيير سلوك إيران بل ساهمت أيضا في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية بطريقة لم تكن في صالح الولايات المتحدة فقد خرجت إيران من هذه المواجهة أكثر قدرة على الصمود وأكثر حضورا في معادلات الإقليم في حين وجدت واشنطن نفسها أمام مأزق استراتيجي يتسم بارتفاع الكلفة وتراجع النتائج
مع نهاية هذا المسار لا تبدو القضية مجرد إخفاق في تقدير أدوات الضغط أو سوء قراءة لتوازنات القوة، بل أقرب إلى تحوّل بنيوي يطال جوهر الفكرة نفسها التي حكمت الاستراتيجية الأمريكية لعقود. فـ“الضغط الأقصى” الذي صُمم ليكون أداة إخضاع سريع، انتهى عملياً إلى اختبار مكشوف لحدود القوة الأمريكية حين تُستخدم خارج سياقها التاريخي، وفي مواجهة خصم لم يتعامل مع العقوبات كأزمة طارئة بل كبيئة دائمة لإعادة بناء أدوات البقاء
من هنا تكتسب مذكرة التفاهم الامريكية - الايرانية الموقعة في فرساي والمصاغة في إسلام آباد معناها الحقيقي فهي لا تمثل انتصاراً نهائياً للدبلوماسية الأمريكية بقدر ما تعكس إدراكاً متزايداً بأن العقوبات بلغت حدود فعاليتها السياسية وحين تنتقل واشنطن من استراتيجية الضغط الأقصى إلى الحديث عن رفع شامل للعقوبات وإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، فإنها لا تغير موقفها من إيران فحسب بل تعيد تقييم إحدى الأدوات المركزية التي اعتمدت عليها منذ تسعينيات القرن الماضي.
النتيجة الأكثر دلالة ليست فقط أن إيران لم تنكسر بل أنها راكمت مناعة سياسية واقتصادية وأمنية جعلت من فكرة العزل الشامل أمراً أقرب إلى الوهم منه إلى السياسة وفي المقابل وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معكوسة وكلما ازداد الضغط، ازدادت كلفة الإدارة، وكلما توسعت أدوات الإكراه، تقلصت القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية ملموسة
التاريخ عادة لا يتذكر الاتفاقات الكبرى فقط بل يتذكر أيضاً اللحظات التي تكتشف فيها القوى العظمى أن الأدوات التي صنعت نفوذها لعقود لم تعد كافية وحدها لصناعة المستقبل وربما تكون مذكرة التفاهم الاخيرة بين واشنطن وطهران واحدة من تلك اللحظات ليس لأنها أنهت أزمة بين واشنطن وطهران، بل لأنها كشفت حدود عصر كامل بُني على الاعتقاد بأن العقوبات قادرة دائماً على إنتاج النظام الذي تريده الولايات المتحدة وفي ذلك تحديداً تكمن أهميتها الاستراتيجية الحقيقية.
ختاما : هكذا تتكشف المفارقة الكبرى التي لا يمكن تجاوزها بسهولة دولة كان يُراد دفعها إلى التراجع خرجت أكثر التصاقاً بموقعها الإقليمي ونظام دولي كان يُفترض أنه ما يزال قابلاً للضبط الأحادي بدأ يُظهر مقاومة صلبة لمنطق الهيمنة التقليدية وبين هذين التحولين تبدو واشنطن وكأنها لا تواجه خصماً واحداً بقدر ما تواجه تحوّلاً في طبيعة العالم نفسه حيث لم تعد العقوبات نهاية الطريق ولا التهديد العسكري مفتاح الحسم، بل مجرد أدوات تصطدم بسقف عالمي جديد لم يُصغ بعد وفق الإرادة الأمريكية وبهذا المعنى تحديداً لا يغلق الضغط الأقصى ملف إيران بل يفتح سؤالاً أكبر بكثير هل ما زالت الولايات المتحدة تمتلك فعلاً القدرة على تحويل قوتها إلى نتائج حاسمة أم أنها دخلت مرحلة عجز اصبحت فيها القوة ذاتها عبئاً عندما تُستخدم خارج شروطها الفعلية
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية