الاتفاق الذي منح إسرائيل ما عجزت عن انتزاعه بالحرب ..؟!
مقالات
الاتفاق الذي منح إسرائيل ما عجزت عن انتزاعه بالحرب ..؟!
عباس المعلم
27 حزيران 2026 , 11:28 ص

لم يعد بالإمكان توصيف ما جرى بأنه مجرد اتفاق سياسي أو إطار تفاوضي، بل هو تحوّل استراتيجي يعيد رسم طبيعة الصراع في لبنان. فبدل أن يبقى الاشتباك قائماً بين الاحتلال الإسرائيلي ومن يقاوم احتلاله، اتجهت السلطة إلى نقل مركز المواجهة إلى الداخل اللبناني، واضعة نفسها في موقع تنفيذ الشروط التي عجزت إسرائيل عن فرضها بالحرب والقتل والتدمير.

جوهر هذا المسار لا يكمن في الحديث عن استعادة السيادة كما يُسوَّق له، بل في إعادة تعريفها على نحو يجعل بقاء الاحتلال أمراً مشروعاً، ويحوّل استمرار اعتداءاته إلى واقع سياسي قابل للإدارة والتفاوض، فيما تُختزل المشكلة كلها بوجود المقاومة لا بوجود الأرض المحتلة ولا بالعدوان المستمر. وهنا يكمن الانقلاب الأخطر؛ إذ لم يعد الاحتلال هو القضية، بل أصبح المطلوب إزالة كل ما يمنع الاحتلال من تثبيت نتائجه.

لقد رفضت هذه السلطة، عملياً، أي مسار كان يمكن أن يفضي إلى انسحاب الاحتلال من خلال التفاهمات الإقليمية والدولية من دون دفع لبنان أثماناً سياسية وأخلاقية باهظة، لتختار بدلاً من ذلك طريقاً يقوم على تقديم تنازلات مجانية، بينما العدو نفسه هو الذي قتل آلاف اللبنانيين، وجرح عشرات الآلاف، ودمّر أحياءً وقرىً ومدناً بأكملها، ولا يزال يحتل أرضاً لبنانية ويمارس اعتداءاته اليومية على السيادة منذ عقود. وكأن المطلوب من الضحية أن تمنح المعتدي ما لم يستطع انتزاعه بقوة النار.

والأخطر أن الاتفاق، في مضمونه السياسي، لا يعامل إسرائيل باعتبارها قوة احتلال ينبغي أن تنسحب، بل باعتبارها شريكاً يملك حق تقرير شروط الأمن والسيادة داخل لبنان، ويمنح نفسه حق البقاء حيث يشاء، والتدخل متى يشاء، وفرض المعايير التي يراها مناسبة. أما الدولة اللبنانية، فتتحول من موقع الدفاع عن سيادتها إلى موقع الالتزام بتنفيذ هذه المعايير، ولو جاءت على حساب شريحة واسعة من اللبنانيين.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يكتفي بإقصاء المقاومة عن أي دور سياسي أو أمني، بل يحاول تحويل الدولة نفسها إلى أداة لإنجاز المهمة التي عجزت عنها الحرب الإسرائيلية طوال سنوات. فإسرائيل لم تستطع، رغم آلة القتل والتدمير، أن تفرض واقعاً داخلياً يُنهي المقاومة أو ينتزع منها بيئتها، فإذا بالسلطة تتقدم طوعاً لتتولى هذه المهمة تحت عناوين الشرعية والسيادة وإعادة بناء الدولة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتجاوز النصوص الموقعة إلى الوقائع على الأرض: هل تملك السلطة القدرة على تنفيذ تعهدات تعرف قبل غيرها أنها تصطدم بتوازنات داخلية وسياسية وشعبية وعسكرية معقدة؟ أم أنها وقّعت على التزامات تدرك مسبقاً أنها غير قابلة للتنفيذ، فقط لأنها استجابت للإرادة الأميركية والإسرائيلية، تاركةً للبنان وحده كلفة الانفجار الذي قد يترتب على ذلك؟

إن أي اتفاق يتجاهل أن أي معادلة داخلية لا يمكن فرضها بالإملاءات الخارجية، وأن أي تغيير جذري في ميزان القوى يحتاج إلى قبول القوى الفاعلة في الداخل، لا إلى مجرد توقيع سياسي، إنما يؤسس لأزمة مفتوحة لا لتسوية مستقرة. فالأوراق قد تُوقَّع في العواصم، لكن مفاعيلها لا تُحسم إلا في الداخل اللبناني.

والتحذير الذي ينبغي التوقف عنده ليس في احتمال تعثر هذا الاتفاق، بل في احتمال أن يتحول إلى شرارة صدام داخلي طويل، بعدما نُقل الصراع من مواجهة احتلال خارجي إلى محاولة فرض معادلة داخلية بالقوة السياسية والأمنية. وعندها لن يكون السؤال من انتصر أو من وقّع، بل من يتحمل مسؤولية دفع لبنان نحو أخطر انقسام في تاريخه الحديث، خدمةً لمشروع لم تستطع إسرائيل نفسها أن تفرضه بالحرب، فحاولت أن تحققه عبر السياسة.

عباس المعلم - كاتب سياسي

Compose:

New Message