اليمن.. عندما تنفد الخيارات السلمية تبقى أوراق القوة حاضرة
منوعات
اليمن.. عندما تنفد الخيارات السلمية تبقى أوراق القوة حاضرة
عبدالله علي هاشم الذارحي
27 حزيران 2026 , 20:33 م

✍️عبدالله علي هاشم الذارحي*

لا تُقاس قوةُ الدول في ميدان السياسة الدولية بعدد البيانات الدبلوماسية الصادرة عنها، وإنما بما تمتلكه على الأرض من أوراق قوة ومقومات استراتيجية تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم بدقة مجبرين.

وحين تستنفد كُـلّ فرص الحوار الممكنة، وتُغلق أبواب التفاهم بفعل مماطلة الأعداء، فإن موازين القوى الخشنة تصبح تلقائيًّا الجزء الأهم والأبرز في معادلة البحث عن الحلول وفرض الاستحقاقات.

ولقد أثبتت التجربة المشهودة أن اليمن، ورغم سنوات الحرب الطويلة والحصار الخانق، لم يخرُجْ أبدًا من المعادلة الإقليمية والدولية، فقد بقي حاضرًا بقوة بوصفه رقمًا استراتيجيًّا صعبًا لا يمكن تجاوزه أَو القفز عليه؛ حَيثُ لم يعد ممكنًا بأي حال من الأحوال التعامل معه كطرف ضعيف يمكن فرض الشروط والإملاءات عليه دون اعتبار كامل لمصالحه الحيوية وحقوقه المشروعة.

وتأتي في صدارة أوراق الضغط والتحكم التي يمتلكُها اليمنُ جغرافيًّا

الموقع الجيوسياسي الفريد والمشرف على خطوط الملاحة الدولية؛ وهو موقع محوري يجعل اليمن حاضرًا بعمق في معادلات الأمن الإقليمي وحركة التجارة العالمية، ويمنحه أهميّة فائقة في أية ترتيبات تخص المنطقة.

وبناءً على ذلك، فإن خيارَ إغلاق اليمن لـ "باب المندب" يمثل ورقةَ ضغط حاسمةً ستؤثر مباشرة على كافة المصالح الاقتصادية المرتبطة بأسواق النفط وحركة الموانئ العالمية، وتتطابق هذه المعادلة مع ما أثبتته إيران عبر فرض سيطرتها وإغلاقها لمضيق هرمز، مما يؤكّـد أن ضرب المصالح الاقتصادية هو أحد أكثر نقاط الضغط حساسية وتأثيرا في معارك الصراع مع الأعداء.

الصمود الشعبي والشرعية الأخلاقية كركائز للثبات السياسي

ويُضافُ إلى القوة الجغرافية ورقةُ الصمود الشعبي الأُسطوري التي أفشلت كُـلّ رهانات الأعداء؛ إذ أثبت أبناءُ الشعب اليمني قدرةً لافتةً على التماسك والالتحام العارم رغم جسامة التحديات والمؤامرات، الاقتصادية منها والعسكرية؛ وهو الأمر الذي منح الموقف السياسي والجهادي اليمني قدرًا هائلًا من الثبات والمنعة.

واليوم، يتجلى هذا التفويض المؤسّساتي والشعبي المطلق لسيد القول والفعل، القائد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، كأحد أهم وأبرز عناصر القوة اليمانية في مواجهة قوى الاستكبار.

كما يرتكز الموقف اليمني على شرعية أخلاقية وإنسانية كبرى من خلال إبراز مظلومية الشعب اليمني، وآثار الحرب المأساوية، وتداعيات الحصار الخانِق في المحافل الدولية وبوجدان الرأي العام العالمي، مما يعري زيف لافتات التحالف الباغية.

وفي المسار الاقتصادي والسيادي، يمسك اليمنُ بمِلفات حيوية لا يمكن إسقاطها، وفي مقدمتها بسط السيطرة الكاملة على الموارد الوطنية المنهوبة، وإجبار العدوّ على الانصياع لتنفيذ ملفات خارطة الطريق الإنسانية، وإعادة الإعمار، وتعويض الأضرار؛ وهي ملفات جوهرية لا يمكن فصلها عن أية مساعٍ لتحقيق سلام مستدام أَو استقرار طويل الأمد في المنطقة.

وتتكامل هذه المِلفات مع استراتيجية "وَحدة الساحات"؛

حَيثُ يؤكّـد اليمن التزامَه المطلَقَ بوَحدة ساحات الجهاد والمقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، وبما أن الجمهورية الإسلامية في إيران تشترط وقف الحروب والعدوان على كافة دول ومحاور المقاومة، فإن هذا الترابط يغير موازين التفاوض ويمنح الإدارة السياسية في صنعاء هامشًا أوسع وأقوى للمناورة وفرض الشروط.

أمن الحدود المشتركة والردع العسكري الحاسم

وتبرز ورقة الأمن الحدودي كأحد الهواجس الاستراتيجية المقلقة للجانب السعوديّ؛ حَيثُ إن اتّفاقية الطائف التاريخية وطول الشريط الحدودي الممتد بين اليمن والمملكة يجعل أمن الحدود تحديًا مُستمرًّا ومستنزفًا للرياض، والتي تخصص مواردَ مالية وعسكرية ضخمة لحماية عمقها، مما يدفعها دومًا للمطالبة بتجديد التوقيع على معاهدة الطائف، ومؤكّـدين هنا بالمنطق القبلي والسياسي الحاسم أن ما أخذته السعوديّة بالقوة والغطرسة طوال العقود الماضية لن يسترد من قبل الأحرار إلا بالقوة العسكرية الفاعلة.

وفي حال فشل الأوراق السياسية والإنسانية السابقة واستمرار العدوّ في غيه، فإن اليمن في هذا العام 2026م بات يمتلك وسائل ردع استراتيجية مطورة، وأسلحة باليستية ومسيرات حديثة، وبنك أهداف دسم وحيوي يطال عمق ومنشآت العدوّ السعوديّ، مما سيجبره حتمًا على إعادة تقييم خياراته الطائشة ويدفعه رغمًا عنه للجنوح نحو السلام العادل وفقًا لشروط قيادتنا الحكيمة.

إن المنطقة اليوم تقفُ بشكل قطعي أمام مفترق طرق حرج؛ فإما أن تُقدم الحلول السياسية العادلة والمنصفة التي تراعي حقوق اليمنيين وتحترم سيادة أرضهم، وإما الذهاب نحو استئناف عمليات الردع العسكري الواسعة والمدمّـرة.

إن الحكمة تقتضي أن يكون السلام الذي يعنينا ويلبي طموحات شعبنا خيارًا جادًا وحقيقيًّا، لا مُجَـرّد مناورة أَو هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، وأن تُبنى أية تسوية قادمة على الاحترام المتبادل والندية الكاملة؛ فالتاريخ يعلم الجميع أن الأمن لا يُفرض بالقوة والغطرسة، وإنما يتحقّق حين تُعالج الأسباب الجذرية للنزاع، وتعترف السعوديّة صراحة بأنها طرف مباشر في هذا الحرب وليست مُجَـرّد وسيط، وحينها فقط تُفتح أبواب الحلول السياسية المستدامة، ومالم ينصاعوا لذلك فقد أعذر من أنذر.

Compose:

New Message