كتب: موسى عبّاس
لَمْ يَعُدْ خَطُّ الحِبْرِ الَّذِي وُقِّعَ بِهِ "الاتِّفَاقُ الإِطَارِيُّ" فِي وَاشِنْطُنَ مُجَرَّدَ صِيغَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ لِلتَّهْدِئَةِ، بَلْ هُوَ كَشْفُ حِسَابٍ عَلَنِيٌّ تَمْهُرُ فِيهِ السُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ اللُّبْنَانِيَّةُ، مُمَثَّلَةً بِرِئَاسَةِ الجُمْهُورِيَّةِ وَرِئَاسَةِ الحُكُومَةِ وَمَنْ وَالاهُمْ، صَكَّ ارْتِهَانٍ يَسُوقُ البِلَادَ نَحْوَ الانْتِحَارِ السِّيَادِيِّ وَالصِّدَامِ الدَّاخِلِيِّ المُمِتِّعِ وَالمُدَمِّرِ. إِنَّ تَسْوِيقَ هَذَا الاتِّفَاقِ تَحْتَ مَسَاحِيقِ "اسْتِعَادَةِ السِّيَادَةِ خَطْوَةً بِخَطْوَةٍ" لَيْسَ سِوَى تَعْمِيَةٍ مَفْضُوحَةٍ لِوَاقِعٍ يُكَرِّسُ الاسْتِبَاحَةَ، وَيُحَاوِلُ إِجْهَاضَ المُنْجَزِ المَيْدَانِيِّ الَّذِي عَجَزَ الاحْتِلَالُ عَنْ انْتِزَاعِهِ بِالنَّارِ.
أَوَّلًا: تَفْنِيدُ البُنُودِ وَتَعْرِيَةُ الِابْتِزَازِ الصَّهْيُونِيِّ.
إِنَّ التَّدْقِيقَ فِي مَا تَسَرَّبَ وَأُعْلِنَ مِنْ كَوَالِيسِ جَوْلَاتِ المُفَاوَضَاتِ الخَامِسَةِ بِرِعَايَةٍ أَمِيرْكِيَّةٍ يَكْشِفُ عنْ تَفَاهُمَاتٍ هَجِينَةٍ وَمُذِلَّةٍ تَضْرِبُ مَفْهُومَ الأَمْنِ القَوْمِيِّ فِي الصَّمِيمِ:
—فَخُّ "المَنَاطِقِ التَّجْرِيبِيَّةِ":
القَبُولُ بِصِيغَةِ "الانْسِحَابِ المُتَسَلْسِلِ" المَشْرُوطِ بِاخْتِبَارَاتٍ أَمْنِيَّةٍ فِي مِنْطَقَتَيْنِ تَجْرِيبِيَّتَيْنِ (إِحْدَاهُمَا شَمَالِ اللِّيطَانِيِّ وَالأُخْرَى جَنُوبِهِ) يَعْنِي مَنْحَ العَدُوِّ حَقَّ "الفِيتُو" عَلَى تَحَرُّكِ الجَيْشِ وَمُوَاطِنِي الأَرْضِ. الاحْتِلَالُ يَرْبِطُ انْسِحَابَهُ بِجَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ مَفْتُوحٍ وَمِزَاجِيٍّ، مُحَوِّلًا السِّيَادَةَ إِلَى مَكْرُمَةٍ مِنْ جَانِب الاحْتِلَالِ تُؤْخَذُ وَتُمْنَحُ بِنَاءً عَلَى تَقْيِيمَاتِ جَيْشِ العَدُوِّ.
—الفِيتُو الأَمِيرْكِيُّ عَلَى الهُوِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ لِلْجَيْشِ:
إِنَّ القَبُولُ بِشَرْطِ "التَّدْقِيقِ الأَمِيرْكِيِّ" فِي خَلْفِيَّاتِ العَسْكَرِيِّينَ اللُّبْنَانِيِّينَ المُشَارِكِينَ فِي الانْتِشَارِ لِلتَّأَكُدِ مِنْ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِمْ بِالمُقَاوَمَةِ، هُوَ طَعْنَةٌ فِي عَقِيدَةِ الجَيْشِ الوَطَنِيَّةِ. هَذَا البَنْدُ يُحَوِّلُ المُؤَسَّسَةَ العَسْكَرِيَّةَ، عَبْرَ مُمَثِّلِي السُّلْطَةِ، إِلَى أَدَاةٍ تَابِعَةٍ لِغُرْفَةِ العَمَلِيَّاتِ الأَمِيرْكِيَّةِ-الصَّهْيُونِيَّةِ، وَيَفْصِلُ الجَيْشَ عَنْ بِيئَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَعَقِيدَتِهِ القِتَالِيَّةِ القَائِمَةِ عَلَى العَدَاءِ لِلْكِيَانِ الغَاصِبِ.
— تَثْبِيتُ "الحِزَامِ الأَمْنِيِّ: إِعْلَانُ بِنْيَامِينَ نَتَنْيَاهُو الصَّرِيحُ بِأَنَّ كِيَانَهُ "لَنْ يَنْسَحِبَ مِنَ الحِزَامِ الأَمْنِيِّ مَا دَامَ هُنَاكَ تَهْدِيدٌ" يُسْقِطُ وَرَقَةَ التُّوتِ عَنِ السُّلْطَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ؛ فَالعَدُوِّ يَعْتَبِرُ الاتِّفَاقَ شَرْعَنَةً لِبَقَائِهِ فِي مُعْظَمِ الأَرَاضِي المُحْتَلَّةِ حَتَّى تَحْقِيقِ شَرْطِهِ التَّعْجِيزِيِّ بِـ "نَزْعِ سِلَاحِ المُقَاوَمَةِ".
ثَانِيًا: مُقَارَنَةُ السُّقُوطِ اللُّبْنَانِيِّ بِالمِظَلَّةِ الأَمِيرْكِيَّةِ-إِيرَانِيَّةِ
تَتَجَلَّى الخَطِيئَةُ الكُبْرَى لِلْحُكْمِ اللُّبْنَانِيِّ عِنْدَ مُقَارَنَةِ هَذَا الاتِّفَاقِ الِارْتِجَالِيِّ بِمُذَكَّرَةِ التَّفَاهُمِ (الإِطَارِ) المُبَاشِرَةِ بَيْنَ وَاشِنْطُنَ وَطَهْرَانَ المِوَقَّعَةِ فِي السَّابِعِ عَشَرَ مِنْ حَزِيرَانَ. هَذِهِ المُقَارَنَةُ تَفْضَحُ الفَارِقَ بَيْنَ مُفَاوِضٍ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوْرَاقِ القُوَّةِ، وَبَيْنَ سُلْطَةٍ لُبْنَانِيَّةٍ تُفَاوِضُ بِعَقْلِيَّةِ المُتَلَقِّي الرَّاضِخِ:
— سَقْفُ الشُّرُوطِ السِّيَادِيَّةِ: فِي الوَقْتِ الَّذِي قَبِلَتْ فِيهِ السُّلْطَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ بِالانْسِحَابِ المُجَزَّأِ وَالتَّجْرِيبِيِّ الخَاضِعِ لِتَقْيِيمِ الاحْتِلَالِ، فَرَضَتْ طَهْرَانُ وَالمُقَاوَمَةُ فِي مُذَكَّرَةِ التَّفَاهُمِ الدَّوْلِيَّةِ شَرْطَ "الانْسِحَابِ الكَامِلِ وَغَيْرِ المَشْرُوطِ" وَاحْتِرَامِ وَحْدَةِ الأَرَاضِي اللُّبْنَانِيَّةِ كَبَنْدٍ أَسَاسِيٍّ لِلتَّهْدِئَةِ.
— هُوِيَّةُ السِّلَاحِ وَالدِّفَاعِ:
بَيْنَمَا يَشْتَرِطُ اتِّفَاقُ وَاشِنْطُنَ اللُّبْنَانِيُّ نَزْعَ سِلَاحِ المُقَاوَمَةِ كَقَاعِدَةٍ لِلاسْتِقْرَارِ، جَاءَتْ مُذَكَّرَةُ التَّفَاهُمِ الأَمِيرْكِيَّةِ-الإِيرَانِيَّةِ لِتُؤَكِّدَ عَلَى "حَقِّ المُقَاوَمَةِ المُسْتَمِرِّ" دُونَ تَقْدِيمِ تَنَازُلَاتٍ بِنْيَوِيَّةٍ.
—الِاسْتِثْمَارُ السِّيَاسِيُّ:
لَقَدْ حَاوَلَتْ وَاشِنْطُنَ وَتَلُّ أَبِيبَ عَبْرَ الِالْتِفَافِ فِي بُنُودِ "المَنَاطِقِ التَّجْرِيبِيَّةِ" سَحْبَ الإِنْجَازِ الإِقْلِيمِيِّ، حَيْثُ سَارَعَتْ السُّلْطَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ إِلَى تَلَقُّفِ الفَخِّ الأَمِيرْكِيِّ لِتُعِيدَ تَقْدِيمَ التَّنَازُلَاتِ الأَمْنِيَّةِ مَجَّانًا، لِيَخْرُجَ نَتَنْيَاهُو مُعْلِنًا "انْتِصَارًا عَلَى إِيرَانَ"، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ أَنَّ طَهْرَانَ وَظَّفَتْ المَسَارَ كَجُزْءٍ مِنْ تَسْوِيَةٍ كُبْرَى تَحْفَظُ المُرْتَكَزَاتِ.
ثَالِثًا: رَدَّةُ فِعْلِ البِيئَةِ المُقَاوِمَةِ وَالمَيْدَانِ
إِنَّ البِيئَةَ الحَاضِنَةَ لِلْمُقَاوَمَةِ، وَالَّتِي قَدَّمَتْ التَّضْحِيَاتِ الجِسَامَ مِنْ دِمَاءِ أَبْنَائِهَا وَبُيُوتِهَا المَعْمُورَةِ، لَا تَنْظُرُ إِلَى هَذَا الاتِّفَاقِ كَإِنْجَازٍ سِّيَاسِيٍّ بَلْ كَـ طَعْنَةٍ فِي الظَّهْرِ وَمُحَاوَلَةٍ بَائِسَةٍ لِتَعْوِيضِ عَجْزِ الاحْتِلَالِ العَسْكَرِيِّ بِمَكَاسِبَ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مِنْ جَيْبِ السِّيَادَةِ الوَطَنِيَّةِ.
— رَفْضُ الإِمْلَاءَاتِ مَيْدَانِيًّا: إِنَّ المُقَاوَمَةُ الَّتِي أَثْبَتَتْ مُعَادَلَةَ الرَّدْعِ بِالصَّوَارِيخِ وَالمُسَيَّرَاتِ لَنْ تَرْتَضِيَ أَنْ تَصْبَحَ تَضْحِيَاتُهَا مَادَّةً لِلاسْتِثْمَارِ فِي صَنَادِيقِ الِاقْتِرَاعِ أَوْ لِتَعْزِيزِ الحُظُوظِ السِّيَادِيَّةِ لِبَعْضِ الطَّامِحِينَ؛ وَبِالتَّالِي فَإِنَّ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ لِعَزْلِ المُقَاوَمَةِ أَوْ نَزْعِ سِلَاحِ المُقَاوَمَةِ سَتُقَابَلُ بِرَفْضٍ مَيْدَانِيٍّ قَاطِعٍ لَا يُهَادِنُ.
— التَّمَسُّكُ بِمُعَادَلَةِ القُوَّةِ:
من المَوْقِفُ الثَّابِتُ لِبِيئَةِ المُوَاجَهَةِ هُوَ أَنَّ الأَرْضَ تُحَرَّرُ بِالبُنْدُقِيَّةِ لَا بِاللِّجَانِ الأَمِيرْكِيَّةِ الَّتِي تُفَتِّشُ فِي هُوِيَّاتِ الجُنُودِ اللُّبْنَانِيِّينَ؛ وَأَيُّ مُحَاوَلَةٍ لِتَمْرِيرِ شُرُوطِ نَتَنْيَاهُو سَتُسْقِطُهَا إِرَادَةُ الصُّمُودِ عَلَى الأَرْضِ.
رَابِعًا: عَوَاقِبُ الكَارِثَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالخَطَرُ المُحْدِقُ بِالكِيَانِ اللبناني:
إِنَّ الإِصْرَارَ عَلَى السِّيرِ فِي هَذَا المَسَارِ مِنْ قِبَلِ أَرْكَانِ الحُكْمِ وَحُلَفَائِهِمْ يَضَعُ لُبْنَانَ أَمَامَ سِينَارْيُوهَاتٍ وُجُودِيَّةٍ مُرْعِبَةٍ تُهَدِّدُ بِإِنْهَاءِ الكِيَانِ وَتَدْمِيرِهِ بِالكَامِلِ:
— وصْفَةُ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ:
إِنَّ مُحَاوَلَةَ زَجِّ الجَيْشِ اللُّبْنَانِيِّ فِي مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ المُقَاوَمَةِ وَبِيئَتِهَا تَحْتَ عُنْوَانِ "تَنْفِذِ بُنُودِ الاتِّفَاقِ وَنَزْعِ السِّلَاحِ" هِيَ الفِتْنَةُ الكُبْرَى الَّتِي سَعَى إِلَيْهَا الاحْتِلَالُ دَائِمًا. تَحْوِيلُ عَقِيدَةِ الجَيْشِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنِ الحُدُودِ إِلَى "حَرَسِ حُدُودٍ لِلْعَدُوِّ" يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى شَرْخِ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّةِ وَتَفْجِيرِ السِّلْمِ الأَهْلِيِّ.
—تَفَكُّكُ الدَّوْلَةِ وَتَحَوُّلُهَا إِلَى كَانْتُونَاتٍ:
إِذَا مَا انْفَجَرَتْ الفِتْنَةُ الدَّاخِلِيَّةُ نَتِيجَةَ القَرَارَاتِ الفَوْقِيَّةِ، فَإِنَّ الكِيَانَ اللُّبْنَانِيَّ سَيَنْهَارُ مُؤَسَّسَاتِيًّا وَدُسْتُورِيًّا، لِتَتَحَوَّلَ البِلَادُ إِلَى أَشْلَاءِ أَقَالِيمَ مُتَنَاحِرَةٍ، مِمَّا يُمَهِّدُ الطَّرِيقَ لِابْتِلاَعِ الجَنُوبِ نِهَائِيًّا مِنْ قِبَلِ الكِيَانِ الصَّهْيُونِيِّ.
—خَسَارَةُ الكَرَامَةِ وَالتَّبَعِيَّةُ المُطْلَقَةُ: الرُّضُوخُ لِلإِمْلَاءاتِ الأَمِيرْكِيَّةِ يَسْحَبُ مِنْ لُبْنَانَ عَنَاصِرَ القُوَّةِ وَالرَّدْعِ، وَيُحَوِّلُهُ إِلَى دَوْلَةٍ مَنْزُوعَةِ المَخَالِبِ، تَعِيشُ عَلَى فُتَاتِ المُسَاعَدَاتِ المَشْرُوطَةِ أَمْنِيًّا، فَاقِدَةً لِقَرَارِهَا الحُرِّ وَمُسْتَبَاحَةً فِي بَرِّهَا وَبَحْرِهَا وَجَوِّهَا.
إِنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ، وَالصَّفَحَاتِ السُّودَاءَ تَكْتُبُهَا الأَقْلَامُ الَّتِي تُوَقِّعُ عَلَى تَفَاهُمَاتِ الذُّلِّ وَالِارْتِهَانِ. إِنَّ حِمَايَةَ الكِيَانِ اللُّبْنَانِيِّ وَصِيغَتِهِ لَا تَمُرُّ عَبْرَ صُكُوكِ الاسْتِسْلَامِ المِوَقَّعَةِ فِي عَوَاصِمِ الوِصَايَةِ، بَلْ بِالتَّمَسُّكِ بِـ المُقَاوَمَةِ كَرَكِيزَةٍ أَسَاسِيَّةٍ لِتدَّفَاعِ عَنِ السِّيَادَةِ غَيْرِ المَنْقُوصَةِ. إِنَّ الوَاجِبَ الوَطَنِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ يَفْرِضُ اليَوْمَ تَعْرِيَةَ هَذَا الاتِّفَاقِ فِي مَهْدِهِ، وَمُوَاجَهَتَهُ بِكُلِّ الوَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ وَالشَّعْبِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ اللُّبْنَانِيُّونَ عَلَى رَمَادِ وَطَنٍ أُحْرِقَ لِيَرْتَاحَ فِيهِ أَمْنُ الاحْتِلَالِ.