جرائم القتل والإحتراب العشائري والقبلي في مجتمعنا الفلسطيني, مشروع مخاطره توازي مخاطر الإحتلال في تصفية وجودنا.
مقالات
جرائم القتل والإحتراب العشائري والقبلي في مجتمعنا الفلسطيني, مشروع مخاطره توازي مخاطر الإحتلال في تصفية وجودنا.
راسم عبيدات
30 حزيران 2026 , 16:43 م

بقلم :- راسم عبيدات

ما يجري في مجتمعنا الفلسطيني ،وخاصة في الداخل الفلسطيني- 48- ،والذي تتصاعد فيه جرائم القتل والعنف بشكل،باتت يهدد البنية المجتمعية والوطنية،والتي يبدو بأنها تتعرض لعملية تفكيك ممنهجة،تغذيها وتساهم في تصاعد وتائرها،ليس فقط تقاعس شرطة الإحتلال ولا ما تجده عصابات الإجرام من إحتضان من قبل الجهاز العام للأمن الإسرائيلي" الشاباك"،حيث الشرطة الإسرائيلية قالت أكثر من مرة، بأنها لا تستطيع محاصرة والقضاء على تفشي الجريمة في المجتمع العربي،في ظل ما يجده قادة العصابات والإجرام من توفير حماية لها من قبله ،ولكن جهاز الشرطة الإسرائيلي في ظل وجود وزير للأمن القومي الإسرائيلي المتطرف ايتمار بن غفير،بدل من معالجة ظاهرة الجريمة التي تتفشى في المجتمع العربي،لا يبذل لا هو ولا جهاز شرطته وقادتها،أي جهود حقيقية وجدية للمعالجة أو المساءلة والمحاسبة للقتلة والمجرمين،فلا ملاحقة لهم،ولا اعتقالات ولا محاكمات،وهذا ما يفسر تصاعد الجرائم بشكل لافت.

يضاف لذلك أن هناك عوامل داخلية لتنامي وتصاعد الجريمة وحالة الإنفلات،مرتبطة بأن تلك العصابات،باتت تعمل بشكل منظم،ولديها مؤسسات اقتصادية ومجتمعية ،وتسيطر على جزء من التجارة والسوق الإقتصادي ،وحتى هي تدير وتشرف على المشاريع والعطاءات،للعديد من المجالس المحلية والبلدية في الداخل الفلسطيني -48 -.

حتى هذه اللحظة،هناك أكثر من 141 ضحية لتلك الجرائم منذ بداية العام الحالي،ولا حلول في الأفق،ولم تنجح كل المبادرات والتحركات الشعبية والجماهيرية والسياسية،والمسيرات والمظاهرات الكبرى،في لجم ومحاصرة الجريمة والإنفلات،بل ما زالت جرائم القتل وقضايا الإنفلات والإحتراب العشائري والقبلي والفوضى وحالة الإنهيار في مجتمعنا الفلسطيني، مستمرة ومتواصلة، وتشهد إرتفاع في وتائرها وتصاعدها بشكل كبير وبما يجعل حماية السلم الأهلي والمجتمعي تتقدم على أي اولوية اخرى، بما فيها الإنعتاق والتحرر من الإحتلال، فحماية وصيانة وحدة المجتمع ومنع تفككه وإنهياره مجتمعياً ووطنياً يجب ان تكون هاجسنا جميعاً،من البيت الى المدرسة والمؤسسة الجامعية والبنى والهياكل الوطنية والمؤسسات الرسمية والمرجعيات الدينية ورجال الإصلاح،وخطباء المساجد ووعاظ الكناس، فالخطر تعدى الخطوط الحمراء ، ومن الصعب على أي مجتمع ان ينال حريته وإستقلاله وازماته الإجتماعية تتعمق ثم تنفجر على شكل إحترابات عشائرية وقبلية واسعة وجرائم قتل، فتحرير الإنسان يتقدم على تحرير الأرض، فإنسان مخترق مجتمعياً ووطنياً، وإنتماءاته العشائرية والقبلية والجهوية والطائفية متقدمة على إنتمائه الوطني،لا يمكن ان يشكل رافعة او معول بناء لبناء مجتمع يقوم على أساس المواطنة الكاملة لجميع مكوناته ومركباته المجتمعية.

نعم علينا ان نقر كحركة وطنية واحزاب سياسية ورجالات إصلاح ومؤسسات مجتمع مدني وسلطة وغيرها من مرجعيات دينية ومؤسسات تربوية وغيرها، بأننا فشلنا فشلاً ذريعاً في حماية نسيجنا المجتمعي من التفكك والإنهيار، فالأمور اذا ما استمرت على ما هي عليه، فنحن سائرون نحو كارثة كبيرة، والإحتلال وأجهزته الأمنية والشرطية وعيونه المزروعة في مجتمعنا ،هي اهم سبب جوهري ، لما يصيب مجتمعنا من تفكك وإنهيار وتشظٍ وفرقة، فهو يغذي النعرات الطائفية والقبلية والعشائرية فيه، ويسعى لتفتيته وتفكيكه وتدميره وخرابه، ومشروعه الإقصائي والتطهيري قائم على إستمرار خلافاتنا وتغذيتها وتضخيمها،لكي يجعلنا نستمر في "طحن" انفسنا وفي إحتراب داخلي دائم، وان لا نلتفت الى اعتداءاته على أرضنا وشعبنا ومقدساتنا وكل تجسيدات ومظاهر وجودنا كشعب، فهو يرى بان أي استقرار وامن وأمان اجتماعي من شأنه ان يجعل كل الطاقات والجهود تتوجه الى التصدي الى مشاريعه ومخططاته وقوانينه العنصرية المستهدفة لنا كشعب فلسطيني، والتي نشاهد في عهد حكومة اليمين والتطرف، بأنها تستهدف تصفية وجودنا وتفكيك قضيتنا.

لكن رغم كل هذه العنصرية والوحشية والتطرف، فهذا يجب ان لا يجعلنا دائمأ نعلق كل أمراضنا ومشاكلنا وخلافاتنا وما يحدث لنا من تدمير ذاتي على انها من صنع الإحتلال، فهناك جزء كبير من ما يحدث في مجتمعاتنا من جرائم وإحتراب عشائري وقبلي من صنع أيدينا، ووليد بيئتنا وثقافتنا ووجودها مرتبط بسياقاتنا الإجتماعية والإقتصادية والتاريخية والثقافية التي عشناها ونعيشها،أي انها ليست من صنع السماء أو دخيلة علينا،بل هي من صنعنا نحن.

نحن ندرك انه في مراحل الهزيمة والردة، وإستدخال وعيها وثقافتها، وإستلاب الأمة والجماهير لحريتها وإستقلالها وحقوقها، وسيطرة الفكر الإقصائي والتكفيري وتشويه الوعي والثقافة القائمة على الغيبيات والحجر على العقول من خلال السيطرة على المشهد العام ثقافياً وإعلامياً وعبر أنظمة وسلطات، لم تمارس سوى القمع والتنكيل والقهر والعقاب والإستبداد، وكذلك إفقار الجماهير وتجويعها ومحاربتها في لقمة عيشها،وعدم نجاحها في بناء مجتمعات المواطنة الكاملة لدولها بكل مكوناتها ومركباتها، تدفع تجاه تنامي وتجذر وتّسيد مثل هذه الظواهر في المجتمع، والتي تنفجر بسبب الإحتلال والقهر والضغط الداخلي على شكل مشاكل إجتماعية و"طوش" تتحول الى إحتراب عشائري وقبلي واسعين، تذكرنا بحروب "داحس والغبراء" و"البسوس" و"الأوس والخزرج" في تاريخنا، والتي كانت أسبابها تافهة، وما نشهده الآن هو إمتداد وتكرار لما حدث بأشكال أخرى، فكل " الطوش" والمشاكل الاجتماعية وقضايا الإحتراب القبلي والعشائري قامت وتقوم لأسباب ليس لها أي مضمون جوهري، او ذو شأن يستحق مثل هذه الحروب والمعارك العشائرية والقبلية، والتي في حالة إندلاعها نكتشف بأن الرابط العشائري والقبلي يتقدم على أي رابط او وازع وطني، دم، ديني، قيمي واخلاقي، ونظهر بأننا شعوب بهيمية بدائية تتقاتل وتتصارع بين بعضها البعض بوحشية، وبأننا نحقد على ذاتنا وأبناء جلدتنا اكثر من حقدنا على من يحتل ويغتصب أرضنا ومقدساتنا، وكأننا هنا نفرغ ونعبر عن عقدة النقص وعدم القدرة على مقارعة عدونا بالإحتراب والإقتتال الداخلي بمظاهره القبلية والعشائرية والجهوية.

علينا ان نعترف بان هناك حالة من التخلف تسود مجتمعاتنا العربية،ومجتمعنا الفلسطيني، فأغلب هذه المجتمعات، هي مجتمعات قبلية إستهلاكية، يسودها تشوه بنيوي عميق،لم تتطور فيها القوى الإنتاجية بشكل طبيعي، بل هي نتاج إقتصاد ريعي استهلاكي، لم تخلق قاعدة اقتصادية مادية صناعية او زراعية مدنية، ولذلك بقيت العلاقات الاجتماعية متخلفة،على مستوى الفكر والوعي والممارسة،ومما زاد الطين بِلة في السنوات الأخيرة، تسييد القراءات المتطرفة للدين، التي لا تكفر اتباع الديانات الأخرى، بل اتباع الديانة نفسها من المذاهب المختلفة، وتراجع الفكر التنويري الحداثي المؤمن بالتعددية الفكرية والسياسية وإحترام الاخر والمواطنة الكاملة، بحيث بات المواطن يشعر بإغتراب في وطنه وخطر جدي على حقوقه وحريته وكرامته الشخصية،مما ولد عنده قهر داخلي، يدفعه بإتجاه التقوقع على ذاته أو الهجرة ومغادرة المجتمع، أو اللجوء لل"مافايات" العشائرية والقبلية لحمايته.

المراحل الطويلة والحقب التاريخية التي تعرضت فيها مجتمعاتنا العربية عامة والمجتمع الفلسطيني خاصة من الإستعمار وما رافق ذلك من وعي وثقافة مشوهتين، والقراءات المتطرفة للدين وتوظيفه وإستخدامه من قبل أنظمة وحكومات وأحزاب لخدمة أهدافها ومصالحها وحكمها وسيطرتها، وإستبدادها وسيطرتها المطلقة على الدولة والثروات وعدم العدالة في توزيعها، وإعتبار تلك الدول بمثابة ممالك وإقطاعيات خاصة بها،ومحاصرة وقمع أي فكر تنويري يطالب بالتغيير واوسع مشاركة في القرار والحكم والعدالة في توزيع الثروات ،وانتشار مظاهر الجهل والتخلف والدروشة والغيبيات، كلها عوامل ساهمت في إحتجاز تطور مجتمعاتنا العربية عامة ومجتمعنا الفلسطيني خاصة.

أخفقت القوى والأحزاب والحكومات الوطنية والتقدمية والعلمانية في مرحلة المد الوطني والقومي في بناء مجتمعات ديمقراطية تعددية، وتحديث وتصنيع الدول، ولنشهد في مرحلة الإنهيار والهزيمة حالة من الإرتداد الى العشائرية والقبلية والقطرية والجهوية.

حالة الإرتداد تلك عمقت من الأزمات المجتمعية، ترافق ذلك مع أزمة شمولية أصابت الموالة والمعارضة وحتى الجماهير الشعبية، والتي أصبحت تنشد الخلاص من خلال الغيبيات والإنغماس في التطرف والجهل.

ولذلك نرى بان ممكنات الخروج من أزماتنا العميقة ممكنة وقائمة، شريطة ان يكون هناك إقرار بوجود هذه الأزمات،وبالمقابل توفر قوى وأحزاب ومؤسسات مؤمنه وقادرة على حمل لواء التغيير، ومستعدة لدفع الثمن والتضحية في سبيل ذلك،غير مكتفية بنقد الواقع وتشخيصه من باب رفع العتب،بل تسعي بشكل تراكمي للتغيير في أفكاره وقناعاته، هذا التغيير يجب ان يكون وفق استراتيجيات واضحة توضع لها الخطط والبرامج والأليات تستهدف فيها الجماهير والعائلات من البيت الى المؤسسة التعليمية فالمؤسسات الدينية، من حيث نوعية التعليم والمنهاج وما يبث من خطب وتراتيل دينية، وما يجري التثقيف به من خلال ورش عمل لهذه الغايات متخصصة، وكذلك خلق مؤسسات وفضاءات إعلامية وثقافية تركز وتشدد على وحدة المجتمع والإنتماء له، وتبين مخاطر العشائرية والقبلية على النسيج الوطني والمجتمعي، وأيضاً تعمل على محاربة وإجتثاث الفكر الإنغلاقي والإقصائي والتكفيري،القائم على تخوين وتكفير ومطاردة الشركاء في الوطن،بإدعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة وبأنهم وكلاء الله على الأرض.

اذا لم نعترف بوجود خلل بنيوي وازمات عميقة لدينا ،نتاج فكر تكفيري ووعي مشوه وثقافة مستدخلة وقراءة متطرفة للدين، فإن أزماتنا ستستمر في التعمق، وسنستمر في "طحن" انفسنا وتدمير ذاتنا، وسنشهد المزيد من التفكك والإحتراب العشائري والقبلي على غرار "داحس والغبراء" و"البسوس" و"الفجار" وغيرهم.

فلسطين – القدس المحتلة

30/6/2026

[email protected]