اعلن ديفيد بنغوريون من تل أبيت في ايار / مايو ١٩٤٨ جامعا تحت سلطته رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع معا. قاد العمليات العسكرية في حرب ١٩٤٨ بالاسم الرمزي داليت ( المسماة اسرائيليا (( حرب الاستقلال)) ، والمرتبطة (( النكبة )) كما سماها قسطنطين زريق. وتشريد مئات الالاف من الفلسطينيين. مما استدعى اطلاق وكالة الأونروا عملها الميداني عام ١٩٥٠ لاغاثة ٧٥٠ الف لاجئ مصدرا اوامره بدمج التشكيلات المسلحة قسرا في جيش الدفاع الاسرائيلي ..
دفع الوعي الحاد بفداحة النكبة وفجاعية نتائجها، عند النخبة وهو عينه الذي دفعها إلى البحث عن الحوامل والاسباب العميقة التي قادت اليها، وبدت النكبة ذلك المهماز الذي ايقظ وعي النخب، واخرج بعضه من سبات ظل سادرا فيه لزمن مديد.مسبقا استشرف نجيب عازوري مطامح الحركة الصهيونية في فلسطين وتداعيات ذلك على السلم العالمي.. ورأى ايضا ان خطر دولة الكيان سيتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى صلب الكينونة العربية نفسها. رعت المراكز الامبريالية بعناية كبيرة قيام دولة الكيان الصهيوني - اسرائيل ، لتكون
القاعدة المتقدمة للتصدي لنضال حركة الجماهير العربية واحباطه، ولولا هذا
الدور الذي أوكلته المراكز الامبريالية للمشروع الصهيوني، لما قامت اسرائیل
اذ لا يتصور فقط امكان نجاح الحركة الصهيونية في عملها الاستيطاني، معتمدة على القوة اليهودية الذاتية، وصولا إلى اقامة مشروعها على ارض فلسطين - قلب العالم العربي. ومن هنا صلة هذا المشروع الاستيطاني التاريخية بالمشروع الامبريالي العام في المنطقة ، وبالتالي، صلة الكيان الصهيوني التارخية بالمراكز الامبريالية، وكل منها في حينه. دخلت الحركة الصهيونية في شراكة مع تلك المراكز لتحقيق اهدافها في العالم العربي. وهذه الشراكة ظلت تحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين الى يومنا هذا. وهذه الشراكة لم تكن ولا هي اليوم، متكافئة، وانما ظلت تعكس موازين القوى بين الجانين، وبالتالي ثقل كل منهما في المشروع الصهيوني المشترك. فالصهيونية، ومنذ انطلاقها كحركة سياسية، ما زالت تنظر إلى نفسها كشريك صغير لهذا المركز الامبريالي، او ذاك، وتتصرف على هذا الاساس، ناشطة في تجيير مردود خدماتها لشريكها الأكبر لصالح شقها الخاص في المشروع المشترك، وبالتالي، مردوده عليها، ليصب كل ذلك في الهدف
المركزي الذي وضعته لنفسها- بناء (( الدولة اليهودية )). وعلى هذه الشراكة غير المتكافئة بين الحركة الصهيونية وهذا المركز الامبريالي، او ذاك يترتب عدد من النتائج البديهية حول طبيعة المشروع الصهيوني المشترك وديناميكية عمله - وابعاد حركته.فمن الطبيعي في مثل هذا المشروع المشترك ان يكون الشريك الأكبر هو الأكثر إفادة من مردوده ، وهو ما حصل فعلا . وكذلك فإن الشريك الأكبر هو في طبيعة الحال صاحب القرار السياسي الفصل ، وصاحب الكلمة الأخيرة في تحديد سياسة المشروع بشكل عام واستراتيجية تنفيذها - اي ان مثل هذا القرار يصنع في المركز الامبريالي (( البلد الام )) ، وليس في امتداده الاستيطاني.ولكن يبقى للشريك الاصغر هامش محدد من الحرية في اتخاذ القرارات،ووزن معين للفعل في صنع القرار المركزي.والشريك الاكبر هو بواقع الحال اكثر فعلا في تحديد طبيعة المشروع،وفاعليته في صياغته بالشكل الذي يخدم اهدافه هو،اسرائيل الراهنة يغلب عليها طابع الثكنة العسكرية،والمؤسسة العسكرية فيها هي الاكثر نموا وتطورا.وخاصة من الدعم الذي يقدمه المركز الامبريالي لقاء خدمات الالة العسكرية الصهيونية.وذلك لان لها مهمة مزدوجة: داخلية،في رقعة الاستيطان الصهيوني،وعلى حدوده،لحماية ذلك الاستيطان وتوسيع انتشاره والاسهام في بنائه،وخارجية،وراء حدود رقعة الاستيطان،في مراكز حركة الجماهير العربية،اي في عواصم دول الطوق العربية،وهذا ما يسمى مجازا(( امن اسرائيل )).ونظرا لهذه المهمة التي تضطلع بها الالة العسكرية الصهيونية فقد رعاها الشريكان في المشروع بعناية فائقة.
بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين.برزت الولايات المتحدة الامريكية كامبراطورية تهيمن على العالم.وحلت محل هيئة الامم المتحدة والقانون الدولي،وتدخلت عسكريا في ترتيب المسرح الاوروبي،بما يتلائم مع استراتيجيتها.فاطاحت بالاتحاد اليوغوسلافي،واعادت ترتيب دول البلقان ودول الشرق اوروبي،واحتلت افغانستان.
وفي العالم العربي استخدمت ثكنتها العسكرية المتقدمة اسرائيل في ضرب حركات التحرر،فاحتلت العراق واسقطت الدولة والنظام.وفي العقد الثاني من الالفية الحالية شكلت حلفا ثلاثيا لاخضاع الشرق الاوسط، اضلاعه :تركيا مخلب الناتو،واسرائيل،وتنظيم الاخوان المسلمين العالمي الماسوني البغيض حاضنة المنظمات الارهابية،لاسقاط دول وانظمة المحيط العربية.لتحقيق الهيمنة الامريكية المطلقة على اقليم الشرق الاوسط،وما يسمى(( امن اسرائيل )).فتركيا التي سعت لاستعادة احلامها العثمانية التوسعية.فرضت امريكا رؤيتها السياسية والثقافية،والامنية على اقليم الشرق الاوسط.وطبعت دول عربية مع الكيان.واحتلت اسرائيل جبل الشيخ،وثلاث محافظات سورية بعد اسقاط الدولة والنظام في سورية.
لم يبق امام امريكا الا ايران.حارسة بوابة قلب اسيا.الذي هو محور صراعها مع روسيا والصين.شاركت اسرائيل في حرب ال ١٢ يوما على ايران في عام ٢٠٢٥،وحرب شباط واذار العام الحالي التي دامت اربعين يوما،وانتهت باتفاقية اسلام اباد.
على الرغم من الخسائر الجسيمة التي تكبدتها اسرائيل على جبهة غزة خلال عملية طوفان الاقصى،وحرب الاسناد التي واكبتها على جبهات لبنان،واليمن والعراق،والخسائر الكارثية في الحرب الصهيو-امريكية على ايران الا ان نتنياهو مضى قدما في سعيه الى الخروج باسرائيل من وضعية الدولة الوظيفية التابعة للمركز الامبريالي،والمنقوصة السيادة.الى وضعية الدولة ذات السيادة الكاملة.التي تقف على قدم المساواة مع المركز الامبريالي،الشريك الذي خلقها واقامها على ارض فلسطين لتحقيق اهدافه الامبريالية في الاقليم مما يعتي لنتنياهو اعلان الاستقلال الثاني لدولة اسرائيل.وامريكا تتيح لاسرائيل هامشا يضيق ويتسع في حدود،وفقا للظرف الذاتي الذي يمر به الشريكان مرحليا.فامريكا منحت اسرائيل حرية التحرك في غزة،وسورية،ولبنان.وفي الضفة الغربيةتغاضت عن تصرفات العصابات الصهيونية ضد القرى والبلدات الفلسطينية فيها،وعن اقامة وبناء مستوطنات جديدة.اما في الظرف الموضوعي الذي يحيق بامريكا،الشريك الاكبر،فلا يستطيع الشريك الاصغر اسرائيل تخطيه.فالشريك الاكبر هو في واقع الحال دائما اكثر فعلا في تحديد طبيعة مشروع اسرائيل،وفاعليته في صياغته بالشكل المطلوب.
في هذا السياق نلاحظ تصريحات نتنياهو بانه سيخوض حربه منفردا مع ايران.اما وزير دفاعه يسرائيل كاتس فقد صرح يوم الاثنين الماضي،بان اسرائيل تستعد لاحتمال تجدد الحرب مع ايران.موضحا ان الجيش ابلغ بالاستعداد لتنفيذ عملية(( ازرق وابيض )).واضاف كاتس خلال احاطة للصحفيين: قد نجد انفسنا غدا في حرب مع ايران،واذا اطلقت ايران صواريخ على اسرائيل،فسنهاجمها بقوة،مشيرا الى ان (( الجيش الاسرائيلي ينتظر ذلك وهو في حالة تاهب،واسرائيل اوضحت موقفها للادارة الامريكية)).واوضح ان تجدد المواجهة مع ايران قد يحدث في حال قرر الرئيس الامريكي دونالد ترامب وقف المفاوضات واستئناف الهجوم،او اذا بادرت ايران الى مهاجمة اسرائيل.مضيفا ان الجيش تلقى تعليمات بالاستعداد لتنفيذ عملية ازرق-ابيض ضد ايران. يدرك كاتس قبل غيره ان امريكا لن تستأنف الحرب مع ايران.وانه لو باستطاعتها ذلك لما وافقت على وقفها ووقعت على اتفاق اسلام اباد الذي ورد فيه نص (( تتعهد الولايات المتحدة ...))ست مرات ومرتين (( تتعهد الولايات المتحدة وجمهورية ايران الاسلامية ...)).فكاتس يهدد بالاقدام على الحرب منفردا،وفحوى تصريحاته انه عاجز عن القيام بذلك بدون امريكا.
الامبراطورية الامريكية في طور الانحطاط.واسرائيل في طور الانكماش.على الرغم من مظاهر القوة الخادعة
نحن باقون على هذه الارض.
باقون وهم راحلون
مهندس/ زياد ابو الرجا