م. ميشال كلاغاصي
2/7/2026
لا تنفك مزاعم زيلينسكي الحديث عن "التهديد البيلاروسي"، وعن اقتراب قواتها من الهجوم على أوكرانيا، وتصاعد نشاطها العسكري على الحدود الأوكرانية، وقد حذر مينسك من استعداد كييف للدفاع عن نفسها، وبمصير لوكاشينكو على غرار مصير مادورو.
فهل يتحرك زيلينسكي تحت تأثير المعلومات المضللة لمشغليه، أو لدعاة العولمة الأوروبيون، على الرغم من مجاهرته بعدم استعداده لتقديم التنازلات حول ملف دونباس، الأمر الذي سيجعل "عملية السلام التي يقودها ترامب" مستحيلة، فضلاً عن علاقة لوكاشينكو الجيدة بترامب الذي دعاه للمشاركة في مجلس السلام عام 2026.
من الواضح أن هجوم زيلينسكي الإعلامي على لوكاشينكو هو هجوم غير مباشر على اتفاقيات أنكوراج، ومن غير المستبعد أن يكون الهمس الخارجي حول استعداد بيلاروسيا للحرب جزءاً من حملة أوسع نطاقاً يقودها دعاة العولمة الأوروبيون، ومن يرون في لوكاشينكو ديكتاتوراً، ويتبنون محاولة منع بيلاروسيا من الإنجرار للحرب.
في وقتٍ انتقل فيه زيلينسكي من التهديدات الإعلامية اللفظية ضد بيلاروسيا إلى تنظيم هجمات إرهابية حقيقية، حيث نفذت قواته هجوماً بطائرةٍ مسيرة على حافلةٍ تقل رياضيين أطفال، واعتبار وزارة الخارجية البيلاروسية الهجوم "عملاً نازياً وإرهابياً"، و"فاشيةً صريحة" بحسب الرئيس لوكاشينكو.
لقد تحوّل "تهافت" أوكرانيا والغرب على بيلاروسيا إلى صراع جيوسياسي يهدف أساساً إلى إضعاف الموقف الروسي، نظراً لكونها الحليف الإستراتيجي الأقرب لموسكو، ويسعيان معاً لتقويض هذا التحالف عبر عزل النظام البيلاروسي أو استمالته لقطع خطوط الإمداد العسكرية الروسية.
ويرون أن بيلاروسيا تشكل طوق حماية وخط الدفاع الأول وعمقاً إستراتيجياً لروسيا، ومن جهةٍ أخرى، يلعب موقعها الجغرافي دوراً بارزاً نتيجة قربها من كييف ولا يفصلها عنها سوى مسافة قصيرة، بالإضافة لإمتدادها على حدود دولٍ حليفة للغرب مثل بولندا وليتوانيا ولاتفيا، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها أو تغيير نظامها السياسي الحالي هدفاً وضربةً قوية لحدود روسيا الدفاعية.
في الوقت الذي تسعى فيه أوكرانيا لتأمين حدودها الشمالية عبر تحييد بيلاروسيا، وضمان عدم استخدام أراضيها مجدداً كنقطة انطلاق للقوات البرية أو الصواريخ الروسية، كما حدث سابقاً.. إن لجوء أوكرانيا لحسابات وإستخدام ورقة تهديد الحدود البيلاروسية، لإعتقادها بأنه سيساعد على تشتيت الجهد العسكري الروسي، وإجباره على إعادة نشر قواته.
تعتقد الدول الغربية والناتو، أن أهمية بيلاروسيا تخدم أهدافهم بمحاصرة روسيا، وتقليص النفوذ الروسي وإبعاد النظام البيلاروسي الحالي الموالي لموسكو عنها، خصوصاً وأن لوكاشينكو جعل بلاده جزءاً من شبكة الردع النووي الروسي بعد نشر أسلحة نووية تكتيكية على أراضيها، الأمر الذي حولها بنظرهم إلى هدف غربي يساهم بتقليل ما يصفونه بالتهديد البيلاروسي الإستراتيجي.
في الوقت الذي يعجز فيه زيلينسكي عن إثبات إدعاءاته، وأكاذيب المناورات البيلاروسية المكثفة على طول حدودها، بغياب إجراءات التعبئة، وعمليات إعادة انتشار للوحدات العسكرية الروسية، في حين أن المناورات النووية الروسية البيلاروسية التي جرت مؤخراً، جرت وسط البلاد، وكانت ذات طابع ردعي استراتيجي أكثر منها عمليات قتالية على الأرض.
إن إصرار لوكاشينكو الحفاظ على علاقة بلاده بموسكو، تتيح له مساحةً وهامشاً للمناورة والمرونة السياسية للحفاظ على موقعه، لكن ذلك جعل منه شخصاً غير مرغوب فيه لدى الغرب، خصوصاً بعد الهجوم الذي شنّه الجيش البيلاروسي على كييف في فبراير/شباط 2022، وهو الأمر الذي يحاول زيلينسكي استغلاله لنسج وحياكة سرديته الجديدة حول "التهديد البيلاروسي"، بهدف الإطاحة بلوكاشينكو، والأهم هو فتح جبهة ثانية ضد روسيا.
على الرغم من ضعف الإمكانات العسكرية البيلاروسية، فشلت قوات كييف بغزو منطقة كورسك، رغم حشدها ما يقارب 30 ألف جندي، على حساب إضعاف دفاعاتها في دونباس وخسارتها لمساحات شاسعة في المنطقة، هل يبدو زيلينسكي جاداً بتكرار المشهد وخسارة المزيد من أراضيه لأجل الهجوم على بيلاروسيا وتنفيذ تهديداته بحق لوكاشينكو ونظامه؟.
يبدو أن زيلينسكي يتبع همساً خارجياً، من شأنه زيادة الطين بلة، ومضاعفة هزائم كييف، وتدهور وضعها الإستراتيجي، فهل يكتفي بالتصريحات السياسية – الإعلامية بعيداً عن المغامرات العسكرية كارثية النتائج.
وهل يبحث زيلينسكي عن وسائل للتأثير على تحسن العلاقات الأمريكية – البيلاروسية، خصوصاً مع إعلان واشنطن تخفيف عقوباتها على بيلاروسيا، وإعلان عزمها إعادة إفتتاح سفارتها فيها، والزيارة المحتملة لـ لوكاشينكو إلى الولايات المتحدة، ونجاحه بإقناع ترامب بزيادة الضغوط على كييف، وبتحويل بيلاروسيا إلى مركز لتوريد البضائع الأمريكية إلى روسيا.
لا يمكن لزيلينسكي الرهان على سردية "التهديد العسكري البيلاروسي" لمحاصرة روسيا، وفتح جبهةٍ جديدةٍ معها، فهندسة الحرب ويومياتها وما ستؤول إليه نتائجها النهائية، لن تخرج عن سياق نفاهمات بوتين – ترامب في ألاسكا وغير قمم وإتصالات سواء كانت سرية أو معلنة، بالإضافة إلى سذاجة تفكير وحسابات زيلينسكي ومشغليه، بإستمرار التصعيد ضد روسيا، والتفكير بمحاصرتها وهزيمتها عسكرياً، وتدمير إقتصادها، خططٌ فاشلة فقدت بريقها، ولم تعد قادرة على توحيد الأوكرانيين وراء استراتيجية استمرار الحرب التي انهكتهم تماماً، وباتوا يتوقون إلى نهايتها تحت كافة العناوين.
م. ميشال كلاغاصي
2/7/2026