”حيث تغدو الجغرافيا ركحا مترامي الأطراف، تتعانق فوقه أصداء المواجهة مع همسات الدبلوماسية، وتنساب فيه ملحمة الزود والغلبة على إيقاع القرار والاستجابة، في بناء أوركسترالي تتشابك داخله مقامات القوة مع أنغام التوازن، وتتعاقب فيه لحظات الاحتقان والإنفراج كما تتعاقب الحركات الكبرى في الأعمال الخالدة."
{في هذا المتن أستدعي المعجم الموسيقي الأوبرالي مجازا لأعيد صياغة قراءة فلسفية للدور السياسي لطهران ومواقفها الساطعة الناصعة والمشرقة المشرفة، حيث تتعانق السلالم اللحنية الإقناعية مع حكمة القرار، و تتداخل الإيقاعات الدبلوماسية مع ثبات المواقف، في نسيج تأويلي رحب يزاوج بين قوة الحضور وسمو الدلالة ورفعة المعنى.}
على خشبة الزمن الممتدة كأوبرا لا تعرف الستار الأخير، تتبدى الوقائع كعرض إنساني شامل، تتعانق فيه السياسة بالفن، والصوت بالصورة، والنبض بالفعل. كل مافي هذا الفضاء يتحرك وفق نسيج خفي؛ ضجيج يعقبه سكون، وتأزم يليه انفراج، وكأن العالم بأسره هيئة سيمفونية عظمى تبحث عن نغمتها الجامعة. وفي هذه اللوحة الواسعة يقرأ الإقليم كتحفة نغمية متعددة الطبقات، تتقاطع فيها دوائر النفوذ مع محاولات الاتزان، وتتجاذب فيها الإيقاعات قبل أن تعود أحيانا إلى توافق مؤقت يفرضه ميزان المصالح والتحولات.
تنطلق الافتتاحية كحركة أولى صاخبة في ملحمة موسيقية بالغة التعقيد؛ إذ ما إن تعالت النبرات الحادة فوق فضاء الركح حتى نهضت المقامات الدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في استجابة منسقة، أشبه بمايسترو متمرس يلتقط أدق الإشارات ويوجه فرقته نحو أداء متماسك، فتتابعت الجمل اللحنية المحكمة وتآزرت الإيقاعات المنضبطة، لتعيد إلى المشهد توازنه وتحفظ للنسق العام انتظامه وهيبته.
وفي قلب هذا البناء التصويري، تبرز عاصمة الفستق والسجاد والزعفران وفق الرؤية التي يتبناها الجمهور المتزايد من أنصارها ومؤيديها، كمركز توجيه أوركسترالي تتجمع حوله طبقات الأداء السياسي والعسكري أيضا وتقدم مؤسستها الدفاعية في هذا السياق بوصفها منظومة تستند إلى التخطيط والتنظيم والدقة، كأنها القسم الإيقاعي الرئيسي داخل تشكيل لحني بالغ التعقيد. وتظهر أدوات الردع فيها كجمل موسيقية حادة المقام، ترسل إشارات محسوبة ضمن معادلات النفوذ والتوازن، وتتحرك كضربات إيقاعية بعيدة الأثر تضبط نسق المشهد العام دون أن تغادر مجراه الأساسي.
حول هذا المشهد تتجسد الجماهير الغفيرة المؤيدة كجوقة واسعة متآلفة، تستمد وحدتها من انسجام الفكرة أكثر مما تستمدها من تشابه الأصوات. وتبدو ككورال ضخم يرفع نبرته في لحظات التأزم، ويمنح العمل بعده الجماعي، بينما تظهر في المقابل بعض الخطابات والسياسات والإنتاجات الإعلامية المتعارضة كطبقات متنافرة تحاول التشويش على التوافق العام، فتبدو أشبه بإشارات مضطربة داخل قاعة فنية كبرى لا تنجح في إيقاف مسار العزف الأصيل أو تغير وجهته.
وتغدو ساحات المواجهة المختلفة أقساما منفردة داخل التشكيل السيمفوني؛ أداء فرديا مدهشا حينا، وثنائيات متناغمة حينا آخر، قبل أن تتسع الدائرة إلى بناء جماعي متعدد المستويات، تتقاطع فيه الأدوار وتتوزع الوظائف، ليتشكل في نهاية المطاف ما يشبه معزوفة نصر تتضافر فيها الأدوار وتتكامل السلالم اللحنية تحت إدارة بناء محكم لا يغفل عن أدق التحولات.
وفي عمق هذا النسق المتشابك، تستمر أرض النوروز والحدائق الراسخة في الذاكرة الشرقية بوصفها عنصرا فاعلا في المحافظة على تماسك الأداء العام وسط تبدل المقامات وتشابك الإيقاعات. فكل انتقال من طور إلى آخر، ومن احتقان إلى انفراج، يقدم في هذا التصور باعتباره جزءا من مسعى دائم لتجنب انزلاق النبض الإقليمي نحو فوضى النشاز.
ومن هذا المنظور، يفسر حضورها لدى قطاعات واسعة من جمهورها باعتباره حضورا يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية إلى دور في إعادة ضبط النسق العام وصون توازنات الساحة كلما اقتربت القوى المتنافسة من حافة الإنفجار. كما تستحضر هذه الرؤية إرثها الفلسفي والعلمي بوصفه أحد المراجع المؤثرة في تشكيل الحركة السياسية للإقليم، حيث لا يقاس الأثر بحجم الإمكانات وحدها، بل كذلك بالقدرة على توجيه التحولات والحفاظ على التماسك البنيوي للمشهد.
وفي امتداد هذه المعزوفة الحضارية، تستدعي الذاكرة الثقافية مقامات فارسية أصيلة مثل الرست والنكريز والنوا ومقام الأصفهان، التي عبرت حدود بيئتها الأولى إلى فضاءات أوسع من الوجدان الإنساني، كما تستحضر أسماء أخرى من تاريخ الفكر الموسيقي الإسلامي؛ من الفاربي، صاحب الإسهامات العميقة في نظريات النغم، إلى ابن سينا الذي تناول طبيعة الصوت وأبعاده العلمية والفلسفية، وصولا إلى سيف الدين الأرموي وعبد القادر المراغي وغيرهم من أعلام هذا الحقل المعرفي.
ويغدو المشهد السياسي، في هذا البناء المجازي، أقرب إلى تركيبة لحنية معقدة تدار فيها المنعطفات كما تفهم الانتقالات بين القرار والجواب، وبين الاستقرار والتوتر، ضمن سعي دائم نحو بلوغ توازن الختام الكبير.
وهكذا لا تنتهي هذه المعزوفة الإلياذية بإسدال الستار الأخير، بل تستمر كصدى ممتد في فضاء الركح الإنساني الرحب، وكأنها دعوة مفتوحة للتأمل في شكل الإيقاع القادم، وفي طبيعة اللحن القادر على جمع التناقضات بدل مضاعفتها. وفي هذه الرؤية، لا تبدو المنعة مجرد امتلاك للأدوات، بل قدرة لتحويل العلم إلى طاقة مستدامة والمعرفة إلى عنصر فاعل في صناعة المستقبل.
فالأمم التي تتبوأ مواقع متقدمة في الفرقة العالمية ليست بالضرورة تلك التي ترفع صوتها فوق الآخرين، بل تلك التي تستثمر في العقول والجامعات ومراكز البحث والابتكار، وتحول رصيدها العلمي والفكري والتقني إلى قوة مؤثرة في توجيه المسارات وصياغة القرارات، ومن هنا يصبح التكامل بين الفكر والسياسة والاستراتيجية شرطا من شروط الحضور الفاعل في المشهد الدولي.
ويبقى السؤال الأخير معلقا فوق خشبة التاريخ: هل يستطيع العالم يوما أن ينتقل من ضوضاء التجاذبات والصراعات إلى معزوفة أكثر اتزانا، تدار فيها الخلافات كما تدار الأعمال السيمفونية الخالدة.
بحكمة النسق، ودقة الأداء، ووعي المآلات؟
وتبقى طهران، في الضمائر والوجدان وضمن هذا الأورتوريو الممتد، مقاما أصيلا وتراثا ثابتا في معزوفة التوازن، يستعصي على الخفوت ويحفظ للنسق العام اتزانه كلما تعاظم النشاز واحتدمت المنعطفات.
كاتب سوري حر وفنان وطني في الغربة.