جورج حدادين
العلة ليست تقنية ولا إدارية، بل في الجوهر أزمة نهج ، بين خيار نهج الاعتماد على الذات أو الإعتماد على الحلول المستوردة.
إختيار الاعتماد على الحلول الوطنية الواقعية لم يمارس ولم يجرب، بل ما يتم ممارسته استيراد الحلول الجاهزة من الغرب، والتي ثبت فشلها الذريع، بدليل تفاقم العجز المائي خلال العقود الستة الأخيرة بوتائر عالية.
تعلن وزراة المياه أنها استشعرت قدوم ازمة مائية، بداية سبعينات القرن الماضي،
هكذا ورد نصاً في وثيقة الاستراتيجية المائية الصادرة عام 1997 في المقدمة.
وبناء عليه يتبادر للذهن فوراً انهم بصدد صياغة استراتيجية وطنية لمواجهة الأزمة، تتضمن حلول علمية عملية واقعية في إطار معطيات وحقائق وطنية.
ماذا حصل، بدل الحل تفاقمت الأزمة بشكل درامي، حيث تنامى العجز المائي، عبر هذه العقود بوتائر سريعة، فمن الأكتفاء الذاتي الى عجز مائي تجاوز( 450 مليون متر مكعب ) وتدني نصيب الفرد الى أقل من 80 متر مكعب في السنة،
ومن المضحك المبكي دعوة المجتمع الى ترشيد الاستهلاك، بمعنى أخر تحميل المجتمع مسؤلية العجز.
لنعد لتاريخنا وحضارة أسلافنا القديمة، حصل التغيير المناخي حوالي عام 5800 ق. م. ومرت المنطقة بمراحل رطبة ومراحل جافة، ومن خلال دراسات تتعلق بمستوى سطح الماء في البحر الميت ، والذي يعكس المناخ السائد، رطب أم جاف، في تلك الحقب، خلال أثني عشر ألف عاماً، تبين تذبذب مستوى سطح الماء بين أعلى مستوى 220 م سالب الى أخفض مستوى حوالي 436 م سالب ( أي حوالي 216 م ) قسمت الى عشر مراحل:
المرحلة الأولى ما قبل 5800 ق.م. أعلى مستوى لسطح الماء 220 م سالب
المرحلة الثامنة 400 – 900 م أدنى مستوى لسطح الماء 436 م سالب
كيف تعامل أسلافنا المؤابيون والأنباط والغساسنة مع الموازنة المائية، بالرغم من شح الأمطار طوروا سياسة الحصاد المائي، شيدوا البرك والسدود الأبار ، وجمعوا كل قطرة ماء تسقط من السماء، وأدرج مادبا مثالاً عن هذا العصر المؤابي، حيث شيدوا البرك، أحد هذه البرك كانت تدعي في زمانينا، بركة حبيب الطوال، تتسع لحوالي خمسون ألف متر مكعب ماء ، وبجانبها سد يدعى سد وادي الحنو، وحفروا أبار عند كل بيت وفي الساحات، شكلت وفرة المياه وسهول مادبا خلفية أسمها الأرامي ( ماء وفاكهة، أو المقاربة الأخرى للأسم ، مدينة المياه الساكنة وأنا شخصياً أرجح هذه المقاربة )
سياسة الحصاد المائي، تستند الى معادلة الجريان حيث نسبة الجريان الى الهاطل 25%، وبحسبة بسيطة متوسط الهاطل المطري على الأرض الأردنية، حوالي 8.25 مليار متر مكعب، أي ممكن حصاد حوالي أكثر من 2 مليار متر مكعب
بينما تعتمد السياسة الرسمية قانون البخر الذي يبلغ 91% على مدار العام، أي حوالي 800 مليون متر مكعب متاح، بين تغذية جوفية وسدود سطحية.
سياسة الحصاد المائي، سياسية معادلة الجريان، سياسة وطنية بالمقابل سياسة معادلة البخر مستوردة.
في المعادلة المائية تدخل عناصر أخرى، لا تؤخذ بحسبان السياسة المائية الرسمية:
• الجريان المدد، وهي مياه تأتي عبر وديان من دول مجاورة
• المياه التي تأتي عبر فوالق من دول مجاورة وغير مجاورة
• مياه عذبة مصدرها البحار والمحيطات، حيث تمر مياه مالحة من البحار فوق مكامن ذات حرارة مرتفعة فتتبخر، وتسلك عبر فوالق الى الأعلى، فتتكثف وتخرج مياه عذبة الى السطح أو تغذي المياه الجوفية.
سؤال يطرحه البعض لماذا لا تنفذ مشاريع المياه في الوقت الذي تكون كلفه منخفضة وتنفذ لاحقاً بكلف أعلى بكثير:
• مشروع الديسي طرح في بداية سبعينات القرن الماضي بكلفة لا تزيد عن 250 مليون دينار ونفذ لاحقاً بكلفة جاوزت خمسة الى ستة أضعاف
• مشروع الناقل الوطني طرح بكلفة حوالي مليار دينار وتبلغ الكلفة اليوم أكثر من ستة مليار دينار
الجواب كون السلطة تعتمد على المساعدات الخارجية لتنفيذ هكذا مشاريع، فالقرار يكون بيد الأجنبي.
ألا نستطيع بقدرتنا الذاتية تنفيذ هذه المشاريع، الجواب نعم، سلاح الهندسة العسكري، الشركات الوطنية الأكتتاب العام للتمويل،
هذه هي السياسة الوطنية