كل خبرٍ يتحدث عن تعثر اتفاقٍ إقليمي أو محلي، وكل تصعيد في الخطاب أو السلوك العسكري للعدو، لا يبقى مجرد حدثٍ سياسي في الوعي اللبناني، بل يتحول سريعاً إلى محفّزٍ نفسي يعيد استحضار ذاكرة الحرب، ولا سيما لدى أبناء الجنوب. فتتشكل بصورة شبه تلقائية حالة من القلق والترقب والخوف، لا تقتصر على احتمال عودة المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى الهاجس الأكثر رسوخاً: تكرار تجربة النزوح والاقتلاع من الأرض.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار علم النفس السياسي بوصفها إحدى نتائج الصدمة الجماعية الممتدة؛ إذ إن ثلاثة أعوام من الحرب المتواصلة وما رافقها من تهجير متكرر لم تخلّف آثاراً مادية فحسب، بل أعادت تشكيل البنية النفسية للأفراد والجماعات. وهنا لم يعد التهجير حدثاً مادياً مرتبطاً بالحركة من مكان إلى آخر، بل تحول إلى حالة ذهنية دائمة تستوطن الوعي الجمعي، بحيث يعيش الإنسان احتماله قبل وقوعه، ويعيد تمثله مع كل تطور سياسي أو أمني.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن لبنان، وخصوصاً الجنوب، يواجه اليوم ظاهرة يمكن توصيفها بـ “التهجير النفسي”؛ وهي حالة تتجاوز احتمال النزوح الفعلي إلى شعور دائم بانعدام الاستقرار وفقدان الأمان، حيث تصبح فكرة الرحيل أكثر حضوراً في العقل من وقوعها على أرض الواقع. وهذه من أخطر تداعيات الحروب الممتدة، لأنها تنقل آثار الصراع من الجغرافيا إلى الوجدان، ومن الميدان إلى البنية النفسية للمجتمع، فتجعل الخوف نفسه شكلاً من أشكال النزوح المستمر.
عباس المعلم - كاتب سياسي