الخطر ليس في اتفاق الإطار… بل في ما بعده ؟!!
مقالات
الخطر ليس في اتفاق الإطار… بل في ما بعده ؟!!
عباس المعلم
11 تموز 2026 , 10:28 ص

ليست المشكلة في ما يُعرف بـ«اتفاق الإطار» بحد ذاته، بل في المنهج الذي يُدار به هذا الملف. فالإصرار المتواصل من جوزيف عون على الدفاع عنه، وتكثيف الرسائل السياسية والإعلامية المحيطة به، واستقبال الوفود الأجنبية بصورة متلاحقة، مقرونًا بخطاب يتجه نحو التصعيد الداخلي والتشديد على منع أي تغيير حكومي، كلها مؤشرات تُقرأ، من وجهة نظر سياسية، على أنها تتجاوز حدود الدفاع عن اتفاق تبدو فرص تطبيقه موضع جدل، لتندرج ضمن عملية تهيئة للرأي العام لقبول مرحلة سياسية جديدة قد تكون أكثر تأثيرًا من الاتفاق نفسه. فغالبًا ما تُستخدم العناوين الكبرى لتمرير تحولات أعمق، بينما يبقى العنوان مجرد بوابة لما سيأتي بعده.

غير أن ما يثير القلق هو أن الملفات ذات الطابع السيادي لا تُدار بمنطق الأمر الواقع، ولا تُبنى على ديناميات فرض الوقائع قبل اكتمال شرعيتها الدستورية. فالدستور اللبناني لم يمنح أي موقع، مهما بلغت أهميته، صلاحية الانفراد برسم خيارات تمس السيادة أو ترتب التزامات استراتيجية على الدولة. وأي تفاوض أو تفاهم أو التزام من هذا النوع يقتضي المرور بالمؤسسات الدستورية المختصة، من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب حيث يفرض الدستور ذلك، لأن الشرعية في الأنظمة الدستورية لا تُستمد من الموقع، بل من احترام المؤسسات وآليات اتخاذ القرار.

والأخطر من ذلك أن تجاوز هذه الأصول لا يقتصر أثره على مخالفة الإجراءات، بل يضرب جوهر التوازن الوطني. فلبنان ليس دولة تُدار بمنطق الغلبة السياسية، وإنما يقوم على شراكة دقيقة بين المؤسسات والمكونات، وأي محاولة لاختزال القرار الوطني أو تجاوزه تُنتج شرخًا داخليًا يتجاوز الخلاف السياسي إلى أزمة ثقة بالنظام نفسه. كما أن أي انفتاح أو تواصل مع إسرائيل، خارج الأطر التي يجيزها القانون اللبناني، يطرح أسئلة قانونية ودستورية جدية، في ظل وجود تشريعات نافذة تُجرّم التواصل مع العدو، بما يجعل أي خطوة من هذا النوع موضع مساءلة قانونية وسياسية، فضلًا عن تداعياتها الوطنية.

لهذا، فإن التحذير اليوم لا ينطلق من مضمون «اتفاق الإطار» فحسب، بل من المسار الذي يُراد تكريسه في إدارة الدولة. فحين تصبح الملفات المصيرية تُدار خارج المؤسسات، وتُختزل القرارات الوطنية بإرادة ضيقة، ويتحول تجاوز الدستور إلى ممارسة اعتيادية، يكون الخطر الحقيقي قد انتقل من الخلاف حول اتفاق إلى إعادة صياغة قواعد الحكم نفسها. وعندها لا يعود السؤال: ماذا يتضمن الاتفاق؟ بل: أي دولة ستبقى إذا أصبحت القرارات السيادية تُصنع خارج الدستور، وخارج المؤسسات، وخارج مبدأ الشراكة الذي يشكل الركيزة الأخيرة للاستقرار اللبناني؟

عباس المعلم - كاتب سياسي